اطلبوا الوزارة ولو في الصين

(1)
قبل سنوات صدرت عن دار ميراماكس بنيويورك مذكرات مادلين اولبرايت وزيرة الخارجية الامريكية خلال الحقبة الثانية من عهد الرئيس السابق بيل كلينتون، وتحمل المذكرات عنوان (السيدة الوزيرة)، أو (Madam Secretary) في لغتها الأم.
وكطالب مستديم للعلوم السياسية فإنني لا اتردد في توصية طلاب علوم السياسة والعلاقات الدولية وناشئة الدبلوماسيين ومخضرميهم معاً بتحري هذه المذكرات في مظانها وقراءة صفحاتها الستمائة التماسا لتجربة حياة ثرية خصبة، فضلا عن منظومة شائقة من مشاهد ورؤي تتعمق قضايا العصر وتستبصر آفاقها.
(2)
وللسيدة مادلين اولبرايت، التي دخلت كتب التاريخ كأول امرة تتولي منصب وزيرة خارجية الولايات المتحدة، صلة وثيقة بوزيرة الخارجية اللاحقة، في عهد الرئيس جورج بوش الابن، كوندوليسا رايس، كون ان والد مادلين، البروفيسور جوزيف كوربل استاذ العلاقات الدولية الشهير في جامعتي دينفر وستانفورد العريقتين لعب دور الاب الروحي والموجه الاكاديمي للطالبة الجامعية السوداء كوندوليسا، فأقنعها بالاقلاع عن خطتها للتخصص في الموسيقي واتخاذ العلاقات الدولية مادة لمسيرتها الاكاديمية بدلا عنها.
ولما كانت مادلين كادرا نشطا في الحزب الديمقراطي خلال السبعينات فقد حدثتها نفسها، الامارة بالديمقراطية، ان تستقطب الشابة الذكية السوداء و تضمها لرابطة الديمقراطيين في ستانفورد، فهاتفتها ذات يوم تدعوها لحضور احد اجتماعاتها. كتبت مادلين: (شعرت بحرج كبير عندما اعتذرت كوندوليسا بلباقة قائلة: «لا استطيع لسبب بسيط وهو انني عضو في الحزب الجمهوري!»). ما علينا.
(3)
ولكن مذكرات مادلين، من حيث جوهرها ومضامينها، ليست من اغراض مقالي هذا الذي بين يديك، أعزك الله. بل ان هناك في واقع الامر فقرة واحدة فقط، تصلح ان تكون مادة لدراما تلفزيونية عالية، تلك التي اود استدعاءها من متن الكتاب ثم امضي في حال سبيلي.
تحدثت مادلين وأفاضت في وصف مشاعرها عند تلقيها خبر اختيارها، وهي المهاجرة التي لم تحصل علي الجنسية الامريكية الا بعد ان تجاوزت سن العشرين، لتولي المنصب الوزاري الرفيع الذي تسمق اليه اعناق صفوة السياسيين الامريكيين. لم تر مادلين بأسا في ان تصارح قراءها بأنها كانت تعيش حالة من القلق والتوتر البالغين اذ كان اسمها يتردد في وسائل الاعلام ضمن أسماء اخري من المرشحين لتولي وزارة الخارجية. ثم حدث ان جاءتها مكالمة تلفونية من سكرتارية البيت الابيض أنهت اليها ان الرئيس يرغب في الحديث اليها، (فأخذ قلبي يخفق خفقانا خشيت معه ان تفجؤني نوبة قلبية)! هكذا كتبت السيدة في مذكراتها!
فلما جاءت اللحظة المرجوة جهدت مادلين، ما وسعها الجهد، ان تستجمع انفاسها وأن تستمع في خشوع الي كلمات الرئيس ينبئها بأن اختياره قد وقع عليها لتسنم المنصب. وتمضي المؤلفة بعد ذلك في وصف حالة السرور والابتهاج التي انتابتها وقد علمت ان الوزارة قد جاءتها، حتى انها قفزت على الأرض من فرط الفرح!
(3)
وفي الحقيقة فإن السير الذاتية للشخصيات المحورية في الحياة العامة كانت وما تزال تأخذ مكانا طليعيا في دائرة اهتماماتي ومتابعاتي الخاصة. والسير الذاتية التي يتطوع اصحابها بفتح صفحاتها بعد مغادرة مسارح العمل العام التنافسي بوجه نهائي هي الافضل دائما من حيث ان اصحابها يكونون اكثر ميلا لسرد الاحداث والمواقف والمشاعر بألوانها الحقيقية وبدرجة متقدمة من التجرد والمصداقية. وفي الولايات المتحدة قناة خاصة، هي قناة سي ? سبان، وتعني حصريا بشؤون البيت الابيض والكونغرس والشخصيات العامة، و تستضيف هذه القناة يوميا عددا من القامات السامقة سياسيا وفكريا وعلميا، ولا اذكر خلال ثلاثة وعشرين عاما من المتابعة والمشاهدة انني سمعت شخصية امريكية مؤثرة ادعت، مجرد دعوي، انها لم تطلب المنصب العام ولم تسع اليه وتتقصّده قصدا، او أن مشاعر السرور والبهجة لم تستغرقها وتغمرها مع كل منصب تمنته ووفقت في الظفر به.
(4)
وعلي شبكة بي بي سي الانجليزية تابعت حوارا مع رئيس حزب الاحرار الديمقراطيين البريطاني السابق، ديفيد ستيل، اكد خلاله انه سعي طوال تاريخه السياسي بظلفه ونابه لتسوّر المناصب القيادية في الحزب و الدولة و احتيازها.
وقال في توصيف وتبرير هذا السلوك: ( كرجل سياسة يتوخي الاستقامة الخلقية فإنني لا اؤمن بالسلطة دون مبادئ، ولكن الحقيقة تبقي ان المبادئ دون سلطة تنقلها من حيز المثال والنظر الي واقع التطبيق والعمل وهمٌ لا قيمة له ولا طائل من ورائه. و لذلك فإنه من الطبيعي ان يكون السعي للسلطة و الاحتفاء بها ديدن كل سياسي).
(5)
أيها السياسيون: طلب الوزارة ليس عيبا، بل هو غاية سليمة ومشروعة.لا تظهروا الزهد فتدعون انها ليست من مقاصدكم بينما انتم تزحفون زحفا لتبلغوا غايتها. ولا ترتدوا اثواب العزوف وانتم راغبون. الوزارة أداة لنقل أحلامكم من اجل مستقبل بلادكم وشعبكم من حيز النظر الى واقع التطبيق كما قال لكم السياسي البريطاني.
المهم ان تكون لديكم احلام (من اجل بلادكم وشعبكم)!