الإرهاب .. معضلات التعريف والمواجهة «7»

461يتسم فكر الغلو العنيف بمقدرة إقناعية عالية لا تتأتى إليه بقوة حجته ولا باستناده إلى مرجعيات صحيحة مؤثوقة ، بقدر استفادته من حالة الفراغ الفكري وغياب أية سلطة فكرية ذات إعتمادية لدى غالبية الشباب في عالم الاسلام . فالشباب في العالم الإسلامي ومنهم أيضاً المسلمون في الدول الغربية يعيشون فراغاً فكرياً هائلاً ، وأزمة هوية ثقافية طاحنة . وتفاقم ذلك عدة ازمات أخرى يواجهها الشباب هي البطالة وأزمة الحرية والديمقراطية في بلدان العالم الثالث المسلمة ، والتهميش الاجتماعي وتحدي العولمة الثقافية وقضايا الإندماج الهوياتي للشباب المسلم في الغرب. والشباب المسلم يواجه هنا الواقع الطاحن دون مساندة حقيقية ومؤثرة من أي طرف من مؤسسات الدولة أو المجتمع المدني في بلاده أو في الغرب.

تفكك المرجعيات والسلطات الدينية :
واحدة من أكبر أسباب انتشار فكر الغلو العنيف هو غياب أية مؤسسية موثوقة وفاعلة في مجال التجديد الفكري والفقهي لجعله معاصرا وعمليا قابلا للتطبيق. ولم يكن الحال هكذا حتى في سنوات القحط الفكري والثقافي في تاريخ العالم الإسلامي فكانت هنالك مؤسسات ذات مرجعية وقدر مناسب من المقبولية والموثوقية لدى قطاعات الشباب. وذلك من لدن الجامعة النظامية في بغداد إلى المدرسة الجوزية في الشام وصولاً إلى جامعة القرويين والزيتونة والأزهر وعشرات المؤسسات الجهوية الأخرى . ومئات العلماء حتى في الأزمان المتأخرة بدءاً بندوة العلماء في الهند التي أنجبت أفذاذاً من أمثال الكاندهلوي إلى أبي الحسن الندوي وأبي الأعلى المودودي ، مروراً بالشرق الأوسط الذي أنجب في الأزمان المتأخرة اعلاماً من أمثال الشوكاني والصنعاني من اليمن وجمال الدين الافغاني من افغانستان ومحمد عبده ورشيد رضا الطباطبائي وعلى شريعي من إيران وباقر الصدر من العراق ومحب الدين الخطيب من الشام وأحمد شاكر وأبو زهرة من مصر وابن عاشور والثعالبي من تونس وابن باديس والابراهيمي ومالك بن بني من الجزائر وعلال الفاس من المغرب ولا نريد الأحصاء ولا التزكية ، ولكن هو مجرد تمثيل وحتى ستينيات القرن الماضي كان العالم الإسلامي يحفل بالرموز الفكرية التي يرجع إليها الشباب والمؤسسات العلمية التي ينهلون منها ، ولكن ذلك كله تناهى وأصبحت المؤسسات واهية وضعفت ثقة الشباب بها واختفى العلماء الأعلام إلا قليل ، وحلت الجماعات ذات الصفة الايدولوجية محل المؤسسات . وجلبت تلكم الجماعات معها إلى الساحة الفكرية والفقهية مزيداً من التعصب وقليلاً من الانفتاح . وانحاز فئام من الشباب إلى هذه الجماعة ضد تلكم الجماعة. وبدأ الأمر بالتخطئة المطلقة المتبادلة ثم التفسيق ثم التكفير حتى بلغنا إلى الخوض في الدماء الذي هو المعضلة الكبرى التي تواجه المسلمين اليوم . حيث يقتل المسلمون بعضهم بعضاً ويخرجون فريقاً منهم ليس بالقليل من ديارهم ، حتى صار ما يسميه هؤلاء دار الاسلام تطرد بنيها إلى ما يسمونهم دار الكفر . وترافق هذا التراجع الكبير في الأطروحات الإسلامية المعتدلة مع توسع الجماعات الايدولوجية وتعاظم قدراتها المالية والمؤسسية على استقطاب الأعضاء . وأصبح العالم الإسلامي في مجالاته الفكرية ساحة للتنازع والصراع، مما زاد الشباب حيرة وارتباكاً . وقد بذلت هذه الجماعات جهداً قليلاً لابتدار حوارٍ منتج بينها باللتي هي أحسن ، رغم أنها تقرأ أنه مأمورة بالحوار بالحسنى وبقول التي هي أحسن حتى لمن خالفها في الدين فكيف بمن خالف الجماعة أو المذهب أو الطريقة الصوفية أو السلفية . ولاشك أن التطلع إلى مواجهة مشكلة الارتباك الفكري لن يكون أمراً عملياً ولا ممكناً ما لم تتوصل الجماعات ذات التوجهات الفكرية إلى كلمة سواء بينها . تجتمع فيها على الأصول وتتفق على المقاصد وتصطلح على المناهج ، وتتوافق على احترام الاختلاف في الأمور الاجتهادية التي هي محل لتقديرات قد تتفاوت وقد تتنوع . وتشرع بادارة التنوع الفكري بروية ورشد لأن ذلك أصبح أمراً لازماً كي تُستعاد الثقة في المؤسسات والمرجعيات ، والإ فان الشباب سوف يجذبه الطرح المباشر والظاهري . وقد تتفاقم مشاعر الحيرة والارتباك لديه بما يعانيه من مشكلات وما يشاهده من مظالم وتحيز وعدوان على المسلمين حينما اتجهت منه الانظار.
الأجندات الدولية والحرب على الارهاب:
إن مخافة كثير من الدوائر الدولية من ظاهرة الصحوة الإسلامية وبخاصة بعض مظاهر الغلو العنيف في بعض تبدياتها، قد أدى إلى تفاقم الاسلامفوبيا في الدوائر العلمية والاعلامية والسياسية في كثير من بلاد الغرب وحتى في الشرق غير المسلم . وأصبحت كثير من الدول تنظر إلى الجماعات الإسلامية حتى لو كانت معتدلة بوصفها مهدداً محتملاً لأمنها أو مصالحها الحيوية. واتسع هذا ليشمل الجاليات المسلمة التي تعيش في الغرب بأكملها. وأدى تفاقم الاسلامفوبيا إلى جعل عملية إندماج المسلمين في مجتمعاتهم عسيرة . ففي الوقت الذي تريد تلك المجتمعات الغربية من المسلمين أن يصبحوا جزاءً لا يتجزأ من نسيجها الاجتماعي والثقافي فإنها لا تثق بهم وتتحامل عليهم . ولا تخبرهم المعاناة التي يجدونها من التحيزات ضدهم سوى إن حصولهم على معاملة عادلة أمر غير قابل للتحقيق . والشباب هم أكثر القطاعات تأثراً بالتحيز ضد المسلمين في اتاحة فرص العمل وسائر الامتيازات التي يتمتع بها كل مواطن آخر لا يشي اسمه أو سمته العام أنه مسلم سواء كان معتدلاً أم غير معتدل راغباً في الإندماج في مواطنة متساوية أو غير راغب.
والأمر لا يتوقف عند أزمة التوافق والاندماج، وإنما يتجاوز ذلك كله إلى مجمل الخطاب الاعلامي والسياسي الذي يتجاوز التحيز إلى خطاب الكراهية في أحيان ليست بالقليلة . وهو خطاب إعلامى قوي ومسموع ومشهود وله تأثير واسع وأحد آثاره هي استثارة خطاب مقابل لدى الشباب المسلم هو الآخر خطاب ثقة مفقودة وكراهية موجودة وتتجدد بكل خطاب جديد من الطرف الآخر. ولذلك لزم أن تنشأ المبادرات لفتح آفاق حوار منطقي وموضوعي حول المسائل التي تثير مشاعر التخوف من الإسلام لدى الدوائر الاعلامية والسياسية في الغرب. فالحوار وحده هو دائرة الإطفاء الفاعلة لمشاعر الشك والكراهية المتبادلة المتعاظمة . ولاشك إن الدول والمؤسسات المسلمة والعلماء المسلمين لهم أدوار يتوجب عليهم الإضطلاع بها في إدارة هذا الحوار الداخلي والخارجي لإحتواء ظواهر الغلو العنيف التي باتت تنتشر الآن عبر آسيا وافريقيا وتمتد آثارها إلى كل مكان . ذلك أن الحلول العسكرية والأمنية قد يكون لها أثر آنى ومحلى محدود لأنها العلاج بعد انتشار الداء ، ولكن الحوار وحده هو العلاج الوقائي الشامل. ويجب أن يمتد الحوار لمناقشة أمور كثيرة تتضمن بعضها السياسات الخاطئة والظالمة التي قد تتبناها بعض الدول الغربية ، والتي تعظُم بها بلوى قطاعات واسعة من المسلمين ،مثل الحروب الانتقامية في افغانستان والعراق ، ومثل المواقف المتحيزة من الصراع الفلسطيني الاسرائيلي ، ومثل العقوبات الاحادية التي تفرضها الولايات المتحدة الامريكية لإجبار بعض الدول للتماهي مع رؤيتها السياسية أو مصالحها الحيوية ، ومثال لذلك ما تفرضه الولايات المتحدة الامريكية من عقوبات احادية تطال آثارها كل الشعب السوداني، ومن قبل أبتلى بها العراق وبلاد مسلمة كثيرة ، ومثل عدم احترام الولايات المتحدة للقانون الدولي الذي تجبر الدول الأخرى على الانصياع له ، وآخر الأمثلة على ذلك هو التشريع الذي خرج من الكونغرس الامريكي باسم «الجستا» أو قانون محاسبة رعاة الارهاب، والذي يضرب بقواعد القانون الدولي عرض الحائط، فيحاكم الدول أمام المحاكم الوطنية الامريكية. وأعجب ما في الأمر أن المحاكم الوطنية في امريكا قد حاكمت السودان وأصدرت عليه أحكامها بدعوى رعاية الارهاب حتى قبل إصدار هذا التشريع الأخير.
إن مثل هذه التصرفات التي لا تستند إلا إلى منطق القوة هي التي تثير الغضب العارم لدى الشباب المسلم . ولئن كانت ردود أفعاله غير محسوبة وغير حكيمة في كثير من الأحيان ، فإن إحتواء ردود الأفعال هذه يتطلب حواراً رشيداً بين سائر الفرقاء فالجميع يشقى بالتنازع والحروب. ولذلك فإن تناصر الجميع على تفاهمات تدرأ النزاعات وتفض القائم منها، وتدفع الحروب وتوقف الماثل منها أمر بات ضرورياً لسلام العالم بأسره، لأن العولمة التي سطحت العالم جعلت أعاصيره مهددة للجميع ، فعلى الجميع أن يكفوا عن بذر بذورالريح لأن من يبذر الريح يحصد العاصفة.
انتهى….