المعارضة السودانية والأمية السياسية المزمنة!

خاص: سودان سفاري

لم تترك الحكومة السودانية للمعارضة شيئاً تقتات عليه، فكلما اوقدت الساحة السياسية ناراً اطفأتها الحكومة. قضية حروب الاطراف والتوسل بالمظالم وضعت الحكومة السودانية دورا ناجعاً لها، فالاتفاقيات السلمية عادة ما تضع حملة السلاح امام اختبار تولى المسؤولية وإدراك عظمها و فداحتها
حدث ذلك في اتفاقية السلام الشاملة – نيفاشا 2005، حيث فوجئت الحركة الشعبية حينها باختبار تولي المسؤولية على مقعد السلطة، وكان بحق اختبارا صعبا، اذ ان الثوار الذين حملوا السلاح وجدوا انفسهم امام عملية البناء والتعمير!

سوء حظ الحركة الشعبية انها لم تتحمل أي قدر من المسؤولية طوال 6 سنوات هي عمر الفترة الانتقالية وأبسط دليل على ان الحركة الشعبية خرجت من فصول الدراسة الـ6 فى الخرطوم وهي راسبة وأقرب ما تكون للفاقد التربوي والسياسي، ما تفعله الان فى دولتها. الحركة الشعبية تحكم الان دولة الجنوب دون شهادة خبرة سياسية وبلا مؤهلات وهو ما اضر بالحركة الشعبية الابنة (قطاع الشمال) حيث لم يتحمس المجتمع الدولي لمساندتها ودعمها كما كان يفعل لأمها الحاكمة الآن -بالدم والنار- بدولة جنوب السودان.
الامر نفسه يمكن تطبيقه على حركات دارفور المسلحة. رجل مثل اركو مناوي حضر الى الخرطوم في إطار اتفاق سلام – ابوجا 2006م ولكنه لصعوبة اختبار المسؤولية الذي واجهه وإدراكه لجسامة هذه المسؤولية والفارق الاسطوري ما بين حمل السلاح والتخريب و البناء والتعمير لم يتحمّل الاختبار، سرعان ما خرج من الفصل الدراسي في بدايته مفضلاً ان يعود فاقداً تربوياً متشرداً و عاطلا عن العمل السياسي!
اما القوى السياسية الحزبية فقد (نجح) بعضها في الالتحاق بفصل الدارسة الوطنية والجلوس للاختبار واحراز درجات تتيح له الاستمرار، اما البعض الاخر فقد فشل في الاختبار وفشل في حياته العملية. هذه التجارب ليست محض مصادفات، فالحكومة السودانية سحبت كل بساط يمكن ان تقف عليه المعارضة السودانية ولهذا حين تطرأ أي ازمة و تسارع المعارضة لاقتناصها تفاجأ قوى المعارضة بأن الحكومة تنتظرها هناك بحلول وأدوات اطفاء فعالة فيخيب ظنها.
ويمكن في هذا الصدد احصاء حدثين او ثلاثة خاب فيهم توقع المعارضة على نحو مؤلم، ففي سبتمبر 2013 وصلت المعارضة الى قناعة انها النهاية، ولكن لم تمض ايام قلائل حتى عادت الامور إلى نصابها. وفى يناير 2014 فرحت قوى المعارضة حين اعلن الرئيس البشير الحوار والوثبة، ولكن قوى المعارضة غير المهيأة للمواكبة لم تستطع ان ترتقي لمصاف الحدث، بعضها -لضعفه وقصر نظره- رفض الحوار مضيعاً سانحة تاريخية، وبعضها خاض الحوار ولم يدرك أهميته ومآلاته، وفي موازنة 2018 الحالية وما أن ارتفعت الاسعار وضاقت الساحة الاقتصادية حتى اعتقدت قوى المعارضة انها -هذه المرة- الانتفاضة جاء تجرجر أذيالها! ولكن سرعان ما خابت التوقعات.
اذن أين العلة؟ العلة ببساطة شديدة فى المعارضة غير المدركة لمعطيات الواقع السوداني والتغيرات والأدهى والأمرّ لم تسبر غور الجيل الذي تعاصره الآن، فهي من الماضي السحيق بينما الجيل الحالي من الحاضر والمستقبل وهيهات ان يلتقيا!