نامن أو صاحيات يبرقن العيون في الغناء السوداني.. هــــــــن بقــــــودوا الزول للجــــنون

يرويها:عبد الجليل سليمان
دون أن يرمش لي جفن استطيع أن أقول ان أغنية على الأقل من بين اثنين عبر تاريخ الغناء السوداني العريض والمتسع تناولت عيني الحبيب بخيرهما وشرهما، ربما يعود ذلك إلى عوامل كثيرة لا يحتمل (التقرير) الخوض في تفاصيلها، لكن لا يضير التعرض لها (خطفا) في شيء.

(1)
ولعل (السوداني) شاعرا أم ناثرا ولما يتسم به من (كبكبة عالية) محفورة بعمق في جيناته و(انعقاد لسانه) خاصة عندما يشرع في الحديث عن محبوبته أو الجلوس إليها، تجعله يلجأ إلى (العيون) وما توفره (لغتها) له من خيال فيتحاور معها ويتحدث إليها متغزلا وشاكيا أو باكيا حتى، ولغة العيون ليست (تأليفا) سودانيا محضا، فالعرب والعجم لهم في العيون ما لهم، لكن ما (يكتنف) غناءنا من عيون حري بالتأمل والوقوف.. فمنذ الحقيبة وإلى الآن نامت (قوافٍ) كثيرة وارتاحت على (عيون) الغناء، ليس ذلك فحسب بل وتعلم منها العشاق السفر، وبعضهم خاضها معارك فتح صدره لقذائفها ثم خانته شجاعته فرفع (الراية) البيضاء معلنا خوفه ومستسلما لأسرهما:
جاني طيفو طايف.. لحاظو كالقذايف
وأنا من عيونو خايف.
(2)
عيون نعسانة برموش تجرحني
رغم نعاسها فهي محروسة برموش جارحة (للقلب)، لكن هنالك عيون تجرح وحدها دون الاستعانة برمش أو جفن وبغض (النظر) عن عرقها أو دينها أو لونها:
العيون البيض لو صفن.. يجرحنك ويتلاصفن
مرة نظرن لي وقفن.. شالوا نومي وما أنصفن
العيون السود كاحلات.. في دلالهن متهاملات
يجرحنك ما سائلات.. يتركنك متجاهلات
رغم السهر والجراح (وشيل) النوم وعدم الإنصاف الذي مارسته العيون البيضاء على قلب شاعرنا المسكين وعقله إلا أن (حليفتها) السوداء فاقمت الأمر بتجاهلها المتعمد وإدارتها ظهرها لتلك القوافي الجياشة و(الحنينة) التي بذلها الشعراء و(دفقوها) على حناجر مغنين عظام ما أدى إلى وصول بعض الحالات (الميئوس) من شفائها من داء العيون الفتاكة والفتانة والنعسانة إلى حواف الجنون:
العيون الفيهن نعاس.. هن أساس معنى الجناس
هن بثيرن في الناس حماس.. هن بقودوا الزول للجنون
(3)
لاحقا واصلت العيون (سطوتها) على الغناء الحديث حيث بدا أثرها واضحا على خارطته وعلى (الشعراء) انفسهم، حد أن بعضهم (من شدة) ربكته لا يدري ما إذا كانت العيون تناديه أم تصد عنه:
عيونك كانوا في عيوني
ينادوني يصدوني
اقول يمكن حبوني
اقول يمكن يصدوني
هذا البكاء الحلال والجرسة المبررة من أجل عيون النساء السودانيات المربكة والجميلة، فالتباين الممتع والمفارقات والمبالغات في وصف العيون أحالت (حياة) كثيرين منا إلى حياة سعيدة فيها قدر من الأمل والشجن والبلبلة والقلاقل التي تثيرها (النظرات) واللفتات، خاصة إذا كانت صادرة من عيون كحيلة و(رقبة) كـ(قزازة عصير!!):
الزول أب عيون جميلة
جا فايت بهنا
اللفتات.. النظرات.. تحكي لي أنا
ورغم اللوعة والشجن الأليم ورهق الخطى والعذاب و(البلاوي) التي سببتها العيون وهذا (التوكل) الحميد والغزل البيّن وذرف الدمع ظلت أغنيات العيون هي الأجمل والأكثر شعبية واستماعا كما علق أحد عُتاة المستمعين للغناء السوداني الذي أضاف:
ـــ العيون الحلوة تجعلك (ربحان) طوالي، وفي حالة عشق دائم.
ودلل على ما ذهب إليه بأغنيتين اعتبرهما أروع ما قيل في (صلف) العيون:
عيونك اسباب لوعتي
أو:
عينيك سفر ومشوار عذاب ارهق خطاي وعذبا
عينيك كون ينبوع حنان لمن تثوب ما اجملا
(4)
ربما لن ينتهي (كلام العيون) عند هذا الحد فيما لو فصلناه تفصيلا، لكن لا مناص من التعريج على الغناء الأكثر حداثة لنرى سُقيا العيون كيف رشف منها البعض:
عيناك لي سُقيا وحلاوة اللقيا
لكن الأكثر إثارة للدهشة هو أن تشبه عيني محبوبتك بـترع اللؤلؤ وبحار الياقوت وهي من الأحجار الكريمة التي ليس لها مكان من (إعراب) حلي النساء السودانيات ورغم ذلك عشقها الناس وأحبوها لأنها أغنية احترمت خيالهم:
أقول ليها عويناتك ترع لولي وبحار ياقوت
لكن يتجلى جنون (عيون) الحداثة في رائعة التجاني سعيد ومحمد وردي:
عيونك زي سحابة صيف تجافي بلاد وتسقي بلاد
وزي فرحاً بيشيل مني الشقا ويزداد
وزي كلمات بتتأوه تتوه لمن يجي الميعاد
وزي عيداً غشاني وفات وعاد عم البلد أعياد
وزي فرح البعيد العاد
وزي وطناً وكت أشتاقلو برحل ليهو من غير زاد
بدون عينيك بصبح زول بدون ذكرى وبدون ميلاد
وبدون تلك العيون المترعة بالشوق واللهفة والحب والارتباك والمكتنزة بالقوافي اليانعة والألحان الخالدة يحتاج الغناء السوداني إلى (زاد) كثير للرحيل صوبه ويصبح بالتالي مثل (زول) بدون ذكرى وبدون ميلاد.