جودة عنبر الموت والمأساة..!الفجر سيستحيل إلى ظلام دامس قبل أن ترتفع شمسه

يرويها:أسعد العباسي

إن التاريخ لا ينسى، خاصة تلك النقاط السوداء في ماضي الأمم، فقبل أكثر من خمسين عاماً ونيف قتل الإهمال، واللا مبالاة، وثقافة العنف والظلم والحقد، أكثر من مئتين من بسطاء المزارعين في بلادي، بعد أن كدسوهم داخل (عنبر) لا يكاد يسعهم، ومنعوا عنهم الضوء، والطعام والماء، والهواء، ولم تجد ساعتها صرخاتهم أو إستغاثاتهم أو توسلاتهم شيئا، فبدأت الأرواح تغادر أجسادهم المنهكة واحدة تلو الأخرى، فتشكلت بذلك مأساة عنبر (جودة)، المأساة التي خلفت وراءها أحزاناً ممددة ودموعاً مبددة.
بدأت محاكمة المسؤولين عن هذا الحادث المأساة، تلك المحاكمة التي أجهش فيها قاضيها بالبكاء المر، وأطلق العنان لدموعه الثرة.
فما أصل هذه الحكاية الحزينة، التي أشعلت أقلام الكتاب وألهبت قرائح الشعراء؟. من وقائعها الحقيقية نعالجها معالجة درامية، ليس بالضرورة أن تتطابق كل أسماء أبطالها بالأسماء الحقيقية، وذلك من خلال هذه الحلقات المتسلسلة.

‏(1)
‏وجوه المزارعين سمر كسمرة الأرض المعطاءة، وقلوبهم بيضاء كبياض محصولهم القطن، وفوق الوجوه فرحة وابتسامة، وصرخة (النعيم) جاءت قوية وداوية ندية وجزلى، وهي تزف البشرى، بشرى الاستقلال المجيد، فارتفعت الهامات من وجه الأرض، وارتفعت المعاول نحو السماء لتهتز بالفرحة ونشوة الإنتصار، وتدافعت جموع أهل قرية (جودة) نحو المشروع الزراعي عندما ضرب صوت النعيم القوي آذانهم:
ـــ الزعيم أعلن الإستقلال، إنتهى عهد الظلم والإستبداد والإستعباد إلى الأبد.
الأرض الممتدة تزاحمت فيها سيقانهم جنباً إلى جنب مع سيقان القطن التي كانت تتمايل مع الهواء وكأنها تنفعل مع أهازيجهم ورقصاتهم، والأطفال سرت فيهم عدوى الفرح ولا يدركون تماماً ما السبب غير أنهم ظلوا يقذفون في الهواء بقطائف لوزات القطن فترتفع في الهواء وتملأ السماء وتعود متهادية ناحية الأرض كأنها رذاذ مطر فتسقط على الرؤوس كأكاليل بيضاء وصوت الشاعر (حسن) يرتفع ويقول:
أطرب يا شباب الليلة رفرف علمك
غاب علم القبيل كتل جدودك وظلمك
دير كاس الطرب وأشفي جرحك وألمك
وسطر للوراك تاريخ نزيه بي قلمك
‏(2)
لم يشأ (أحمد) و(العارف) إلا وأن يدفعا بموجة جديدة لهذه الفرحة والإحتفال العفوي عندما حملا على كتفيهما مذياعين كبيرين تنبعث منها أنغام الأناشيد:
اليوم نرفع راية استقلالنا
ويسطر التاريخ مولد شعبنا
غنوا لنا غنوا لنا يا نيلنا
يا أرضنا الخضراء يا حقل السنا
يا مهد أجدادي ويا كنزي العزيز المقتنا
النساء يزغردن وحلوق الرجال تحمم والأطفال يصنعون المطر الأبيض من لوزات القطن والمذياع يقذف بالحماسة والبهجة في القلوب:
طبل العز ضرب يا السرة قومي خلاس
والبنوت زغاريدن تجيب الطاش
والخيل عركسن والدنيا بوق ونحاس
السودان خلاس يا السرة قام دواس
طبل العز ضرب والخيل تسابق الخيل
من آخر الجنوب لي عطبرة وتوتيل
يا شدر الهشاب قوم نمشي بحر النيل
يا لوز القطن قوم تاني فرهد وشيل
وأرقص يا نخيل فوق السواقي وميل
السودان خلاس داير السمح وعديل
كسر قيدو تاني وقام جميل بالحيل
وتضع بعدها (السرة بت محمود) زوجة (النعيم) يدها قرب فمها وتطلق زغرودة طويلة:
ـــ أيوي أيوي أيووووييا.. أبشروا يا رجال دا يوم المنى والهنا.‏
‏(3)
لم يكن أهل قرية (جودة) يظنون أن هذا الفجر سيستحيل إلى ظلام دامس قبل أن ترتفع شمسه، وأن أحزانهم ستحتل قلوبهم لتقبع في مكان فرحتهم، لم يكن يظنون ذلك أبداً، ولكن ذلك ما حدث بالظبط.
ثلاثة كيلو مترات فقط تفصل ما بين النيل الأبيض وقريتهم الواقعة شرقه، على بعد نحو مائة وعشرون كيلو متراً جنوب مدينة (ربك)، قرية إنتشلها من البؤس مشروع (جودة الزراعي) الذي اعتبره البعض بركة من بركات الشيخ (جودات الولي)، هذا الفقيه الصوفي الصالح الذي نهل العلم من المدينة المنورة على يد القطب (عبد الكريم السمان) وجاء إلى السودان في زمن غابر يطلب الولي الصالح الشيخ (الطيب ود البشير) ليأخذ منه مبادئ الطريقة السمانية، وبعد أن سلك في الطريق ضرب في الأرض ليستقر في المنطقة التي عرفت فيما بعد بإسمه ( قرية الشيخ جودات الولي) ليتم إختصار الإسم بمرور الأيام إلى (قرية جودة).
(4)
كانت الأحزان تلتئم في قلب الشيخ (محمود) بعد إخماد ثورة اللواء الأبيض في العام 1924 التي استشهد فيها من أبطالها من استشهد وسجن من سجن بيد الطغاة البغاة، كانت ثورة كأمل خبأ كما يخبو الشهاب، كان أبطالها أصدقاءه فأحزنه ما جرى لهم ولكن عام حزنه حمل إليه في آخره فرحة عندما طلب منه صديقه الحاج (عبد العزيز) يد إبنته لابنه (النعيم) فقبل طلبه دون تردد وذهب ليزف البشرى لزوجته (سكينة) قال لها:
ـــ الليله حاج (عبد العزيز) طلب السرة لي ولدو (النعيم).
فقالت بفرحة:
ـــ حباب (النعيم) حبابو.
كانت (السرة) آنذاك قد فتحت باب طفولتها لتلج منه إلى فضاء الصبا لتستوي صبية حلوة نجا وجهها من الشلوخ فبدت بخدين أسيلين كانت والدتها (سكنية) قد إعترضت على وضع الشلوخ على وجه إبنتها (السرة) فقد عانت هي كثيراً من تلك الشلوخ وكانت تحمي إعتراضها ببركة الشيخ (جودات) فتعفر بها وجه إبنتها (السرة) وتقول:
ــ إن شاء الله البخت ليهو موس فوق وش بتي (السرة) بركة سيدي (جودات) تشلو وتقطع يمينو.
وهكذا عرفت السرة فيما بعد بـ(السرة السادة) وتصير في نهاية العام 1924 زوجة ودودة ولودة للشاب القوي (النعيم).
‏(5)
شهدت قرية (جودة) مولد (الفاضل) و(محمود) ومن بعدهم (زينب) و(تقوى) و(مهيرة) ولم يخف والديهما (النعيم) و(السرة) فرحتهما الغامرة بقدومهم إلى الحياة في تلك القرية الصغيرة التي ما كان أحد يذكرها إلى أن صارت ذات يوم على كل لسان، فقد كانت بيوتها من القش والطين قطاطي ودرادر، تتفرق ولا تلتقي، ويعتمد أهلها على ماشيتهم من الأبقار والأغنام وبعض ما يزرعون، وينقصهم الكثير عدا السعادة. كان الطفل (الفاضل ود النعيم) يغسل لوحه على عجل بعد عودته من خلوة الشيخ (جودات) ليخرج ويستمتع باللعب مع أقرانه، هي ألعاب قاسية وعلى كل كانوا يستمتعون بها وأحياناً كانت تراودهم الفكرة الممنوعة وهي الإستحمام في ماء النيل الأبيض، يقطعون المسافة إليه عدواً ويعودوا ضاحكين كأنما قد ملكوا الدنيا لتنغرس بعد ذلك أياديهم في عصيد وإدام شهي فما كان طعام أهل القرية يختلف كثيراً من بيت إلى بيت، على أنه في ذات يوم من العام 1935 عندما جاءوا من النهر وجدوا غرباء كثر ما بين النهر والقرية ففعل (الفاضل) كما فعل أقرانه الذين أطلقوا سيقانهم للريح وكأنهم يتسابقون لنقل الخبر.
‏(6)
وصل (الفاضل) لمنزلهم وهو يقول لوالده (النعيم) بأنفاس متهدجة:
ـــ أبي هناك رجال كثيرون من الإنجليز الخواجات والمصريين الحلب ومعهم أولاد بلد يحومون في المنطقة قرب النهر وبعضهم يحملون أسلحة.
وضع (النعيم) عمامته على رأسه وحمل عصاه إلى جانبه وأدخل سكينه في جفيرها وألبسها أعلى ذراعه وخرج ليستطلع الأمر. فوجد الكثير من رجال القرية قد سبقوه إلى هؤلاء الغرباء وهم كعادتهم في الكرم والشهامة دعوهم بقوة للغداء والظل والماء وكلما اعتذروا يصرون على دعوتهم حتى اضطروا أن يأتوا إليهم في العراء بالماء والحليب والروب والعسل والشاي ويذبحون لهم عجلاً سميناً، على كل فهم ضيوفهم وإكرام الضيف واجب رغم أنهم لا يعلمون أيريد بهم هؤلاء الأغراب خيراً أم شراً.
أحال الرجال العراء إلى مطبخ كبير أوقدوا النيران وغذوها بالحطب وبهمة ونشاط كانوا يشوون عليها لحم العجل حتى صارت رائحة الشواء إلى السماء والأطفال يحملون مياه الشرب والنساء يحملن على رؤوسهن أطباق الكسرة وأطباق العصيد.
وثبت هذه الصورة إلى ذهن (النعيم) بعد حوالي عشرين عاماً وهو يستغيث من داخل عنبر جودة الذي حبس بداخله ويضم إليه إبنيه (الفاضل) و(محمود) من أجل حزمة ضوء وجرعة ماء ونسمة هواء، ولكن ما من مغيث ولا أحد يأبه ليستجيب.

* من هؤلاء الغرباء الكثر الذين حلوا بغتة في ربوع قرية جودة الآمنة وماذا يريدون؟ سؤال نجيب عليه في حلقة الغد.