ما تبقى من دمع

هذا جزء من الذي خطه يراع السفير والشاعر والروائي جمال محمد ابراهيم في حق كتابي «ماتبقى من دمع»، واني له لمن الشاكرين…
* أدلف إلى العمل الابداعي الذي قدمته لنا الكاتبة آمنة الفضل، وهو عملها النثري الأول. تضمّن ذلك العمل عدداً من المقالات القصيرة، التي عملت على نشرها بصورة راتبة في صحيفة «الصحافة» الورقية. كتب لها المقدمة في أسطر قليلة ومعبّرة صديقنا الدكتور إبراهيم الصديق، فوصفها بكلمات بليغة: «أنها ليست تصويراً مُبدعاً فحسب، إنها فوق ذلك حملت رؤية كاملة النضوج. .». ولعلّ ابراهيم الصديق قصد بكلامه الحماسي، تشجيع الكاتبة والترحيب بتجربة نشر مقالاتها التي نشرتها في صحيفته، لكنه لم يُجانب الحقيقة في شيء، ولم يكن محضَ مجاملٍ في رأيه المكتوب في المقدمة. بعد أن أهدتني الأستاذة آمنة نسخة من كتابها، وجدتُ فيهِ إبداعاً يستحق أن نلتفت إليه، لجدته وللحميمية الأصيلة، التي صاغت بها آمنـة مقالاتها القصيرة، وللصدق الذي دوّنتْ به انطباعاتها ومشاهداتها العميقة، لكلّ ما شغلها وحرّك موهبتها للكتابة والإبداع، ومن زاوية شخصية نظرت بها إلى موضوعاتها..
* نظرت في كتاب «آمنة»، فتخيّرت من المقالات، أكثرها قوّة في الفكرة، وأحكمها في الصياغة، فوجدتني أمام تجربة لكاتبة ينتظرها وعد كبير بإبداع تتسع آفاقه وموهبة ثابتة الجنان. إني رأيت كاتبة تمتلك القدرات اللازمة التي ستمكّنها من تجاوز محور الاهتمام بالشخصي لما يقع من حولها، إلى المناورة بملكاتها ومواهبها في الكتابة الإبداعية، فترتقي بذلك إلى مراقي الكتابة الرصينة الأوسع. إنّ الشاعرية لدى آمنة الفضل، تلتمع بين مفردات لغتـها الســاحرة من قاموســـها الغنيّ، الذي برعت في تطويعه لصياغة أفكارها وصورها الإبداعية، بزمام لم يفلت من قلمها ولا نبا. أتصوّرها قادرة أن تستفتح لنفسها طريقاً لإبداعٍ أكثر اتساعاً، وأبلغ معنىً وأوقع أثرا.. وأكثر ما أعجبني، أنها قررتْ أن تلج إلى عالم الكتابة السردية، وألمحت إلى أنها تضع لمساتها الأخيرة لعمل روائي قادم عمّا قريبٍ من قلمها. إن أشكال الإبداع برغم تعددها وانوّعها، فإنها آخذة إلى التقارب والتداخل والممازجة، وإني أرى في ذلك جانباً إيجابياً لافتا، فالشعر الذي تكتبه آمنة، يزدهر عندها في جنوحها لرسم صورٍ حيّة تقارب أن تكون قصصا مُتناهية الصغر، وأتصوّر أننا سنرى في روايتها القادمة مزجاً بهياً بين الشعريّ والسردي، ولا أرى ثمّة ملامة في ذلك. لي هنا أن أنصح لها أن تنطلق في تنويع قراءاتها واطلاعها على مختلف التجارب الإبداعية، سواءً في الشعر أو في السرد، ولا أريد لها أن تحبس كتابتها حول أسلوب واحد. لفت نظري فيما أنا أطالع كتاباتها، تأثرها الواضح بأسلوب مستغانمي، ولا تثريب في أن نرى تأثيراً لأقلام كبيرة في مسيرة أقلام شابة تتطلع لأن يطبع بصمتها المميزة في الساحات الأدبية. إن التجارب والمدارس الإبداعية تملأ الساحات الأدبية، ولم تغب عن نظر الكاتبة المبدعة آمنــة.
* لست من الذين يميلون لاعتماد الحديث الذي يدور بين الفينة والأخرى في الصفحات الأدبية، عن طغيان الرواية على الشعر، أو عن تراجع ديوان الشعر أمام السيول العارمة للرواية والسرد. قال البعض أنه «زمن الرواية» و»زمن انزواء الشعر»، وذلك اعتبره في حسابي غلوّاً في الرأي، وأدعو أن لا ننشغل بمثل هذه الفوارق والمقارنات في أشكال الإبداع. أرى لحظة الإبداع تجيء مثلما جاءتْ إلى الشاعرة الأمريكية «إيميلي ديكينسون» «1830ـ1886»، التي كتبت أنها ما أن تشعر جسدياً، كما لو أن قمّة رأسها قد تمّ خلعها، فهي تدرك أن تلك هي لحظة الشعر. . !لك الشكر، آمنة الفضل، فقد وجدنا في كتاباتك ما يدفعنا للوقوف مقدّرين إبداعاً مشوقا، وإني شخصيا قد وجدتُ ما دفعني لاقتراح أن يكون عرض الكتب ـ «الريفيو»-لأن يكون مبحثاً تعتمده كليات الأدب إلى جانب كتابة النقد والكتابة الابداعية.. وأختم مهنئاً إخراجها هذا العمل الجميل، وكذلك أزجي لأسامة الريح صاحب دار المصورات إقدامه على نشر إبداع الشباب الواعد بحماسٍ صادق، وبالتزام أكيد، بإخراج مطبوعاته بمستوىً عالمي باهر ..
جمال محمد إبراهيم