العلاقات الدارفورية الإسرائيلية

(1)
النصيحة أن دارفور ليست لها أية علاقات مع اسرائيل، ولا ينبغي لها. فمنذ دخل الاسلام دارفور في القرن الثاني عشر الميلادي، عهد سلطنات الداجو والتنجر، وانتشرت مسيرته،اصبحت دارفور قلعة الاسلام وحصنه الحصين في السودان. وهي التي يُعتبر تعلم القرآن فيها واجباً دينيا على كل رجل وامرأة، ولا تلزم مجتمعاتها الشاب الذي اكمل حفظ القرآن بدفع المهر عند الزواج تعظيماً لكتاب الله وتبجيلاً لحفظته.أمثال هؤلاء لا ينشئون علائق ولا يصادقون دولة دنست مقدسات المسلمين وناصبتهم العداء منذ تأسيسها.
وإنما يصل الصلات ويجسّر الجسور مع اسرائيل فقط الصفوة من قادة بعض حركات التمرد. ولا عجب، ففي علم الكافة أن المنظمات الاسرائيلية هي اكبر داعمي هؤلاء في الولايات المتحدة وغرب اوربا. واللوبي اليهودي الدارفوري في امريكا اشهر من نار على علم.
ولقد شهدنا بأمهات أعيننا على شاشات التلفاز عبد الواحد نور وهو يتفاخر علناً بصلات حركته الوثيقة مع حكومة اسرائيل ويشكرها أمام الأشهاد عيانا بيانا، دون ان يطرف له جفن، على دعمها لحركته. تلك الحركة التي كانت تسمي نفسها حركة تحرير دارفور، قبل ان يستبدله لها جون قرنق باسم حركة تحرير السودان، ويصوغ لتلميذه عبد الواحد المانفيستو الخاص به في اجتماعهم الشهير في رمبيك عام 2003، ثم يمده بأكداس من الاسلحة ويطلقه ورفاقه في دارفور، فلم يهدأ له بال، هو وصحبه، حتى أحالوا أرض القرآن الى مقبرة جماعية ومأتم كبير، وهم يرومون (تحرير السودان). أليس ذلك هو اسم حركتهم كما سمّاها لهم ملهمهم المقبور؟!
(2)
قرأت ان أحد نواب البرلمان قال يخاطب زملاءه الذين هاجوا وماجوا بسبب مقتل عدد من المتسللين عبر صحراء سيناء الى اسرائيل رمياً برصاص حراس الحدود المصريين متسائلاً: «وهل كان هؤلاء ذاهبون الى مكة؟ لقد قتلوا مغامرين،خارقين للقوانين، بين يدي عصابات من المهربين المجرمين، وهم يقصدون تل أبيب، حاضرة العدو الصهيوني». وهو حديث قد يفتقر الى الحساسية، ولكنه يحمل جرثومة الحقيقة. والحقيقة في احيان كثيرة قد تكون مُرة كالسم الزعاف.
هل تعرف، أعزك الله، كم يكلف تهريب الفرد الواحد الى اسرائيل؟ وكم تتقاضى عصابات المهربين من البدو في مقابل كل شخص؟ إذن فهؤلاء ليسوا فقراء معوزين تكاد تقتلهم المسغبة كما يُراد لنا ان نفهم. بل هم من المقتدرين ذوي الراحات الندية، الذين يبذلون بالعملات الاجنبية لتمويل الرحلات من السودان الى مصر، ثم الى اسرائيل التي يحسبونها هولندا او المانيا او سويداً اخرى تحقق لهم مرادهم في حياة ناعمة تحت انظمة الويلفير، حيث المعونات الاجتماعية والمدفوعات السخية للاجئين.
هذا مع ان التقارير المتوفرة والمنشورة عن احوال السوادنة في اسرائيل تقول بأن أعداداً لا تقع تحت حصر من شبابنا تعيش هناك في الدرك الثالث من هوامش المجتمعات الاسرائيلية، حياة الضياع والبطالة والمهانة، بين علب الليل وغُرز الماريغوانا.
(3)
هؤلاء الذين صرعتهم عناصر حرس الحدود في مصر اخيراً، وهم يحاولون عبور منطقة ملتهبة في سيناء قفزاً من فوق الاسلاك الشائكة، وزحفاً من تحتها، الى دولة اسرائيل، هم نتاج تلك الصفقة الرديئة الخائبة التي عقدتها الحركات المتمردة المستقوية بالدولة اليهودية. وهم ضحايا الخيالات الكواذب التي زرعتها آلتهم الاعلامية في أذهان اولئك الطامعين في الحياة السهلة الرغدة في الدول الأكثر تقدماً. هل سمعت، رعاك الله، مذيعهم يتحدث عبر الاثير عن (مؤتمر فرع الحركة في تل ابيب)، وغير ذلك مما يوحون في ثناياه من طرف خفي الى هؤلاء البؤساء ان غيرهم وصل الى اسرائيل فعلا ويمارس حياة طبيعية، بل ويشارك في (النضال) التحريري!
ومهما يكن من أمر فلم يعد هناك من مناص امام قادة الحركات، وفي مقدمتهم عبد الواحد نور، من ان يتحملوا مسؤولياتهم وان يحصدوا غراسهم، غراس الموت رمياً برصاص حراس الحدود،بدلاً من الزعيق الذي يزعقونه اليوم في أثير الأسافير وموجات الاذاعات وهم يتحلقون حول جثث الأبرياء الذين تسببوا في ازهاق ارواحهم.
(4)
لم يبق غير دعاء نتوجه به الى المولى عزّ وجلّ أن يتقبل في ملكوته الأعلى ضحايا الحادث الأسيف في صحراء سيناء، وقد جعل الموت راحةً لهم من كل شر. نسأله تعالت آلاؤه أن يغفر لهم ما تقدم من ذنبهم وما تأخر، وان يُحسن عزاء ذويهم، وأن يؤجرهم في كل مصاب.