أسير الغرام المهدي الذي مات على دين عيسى!حكاية الدرويش جيمي السوداني

يرويها – وجدي الكردي

تفاديت أن أورد عبارة: (حكاية أغرب من الخيال)، وأنا أختار عنوان هذا النص، لأنه لم يعد هناك غريباً عن خيال السودانيين و(مِحنهم) الكثيرة.
تخيّلت أنّ (جدّي)، هو بطل هذه الحكاية، لأنّه كثيراً ما كان يجُوب حول المنطقة التي انطلقت منها حكاية (جيمي الدرويش)، وربما أغرته الأنباء التي راجت وقتها بأن (ود النجومي) يتأهب لـ(فتح مصر)، أو كما قال.
استبعدت ما تخيّلته، لأنّ بين (النوبيّين) وعبد الرحمن النجومي ما صنع الحدّاد. فما كانوا يطيقونه أبداً ولا من المؤيدين لثورته المهدية، بعد أن أذاقهم (صريع توشكي) الأمريّن، وهو يغير على قراهم آناء الليل وأطراف النهار بعد أن شحّت منه المؤن وغارت العيون والبطون، حتّى أن شاعراً من (عندينا)، قال مبتهجاً بعد أن خسر النجومي معركته الشهيرة في توشكي العام 1889م:
(ود النجومي التي كانت تعاكسنا/ أهلكها في توشكى ياخينا)!
ما علينا..
بدأت رحلة بحثي عن حكاية (جيمي الدرويش) الذي بدأ حياته مجاهداً صغيراً غريراً في جيش عبد الرحمن النجومي، وإنتهي ضابطاً مسيحياً عظيماً في الجيش البريطاني، ميتاً على دين عيسى، ضارباً الصفح عن دين محمد أحمد المهدي، بدأت رحلة بحثي بمقالة غاية في اللطف قرأتها للأستاذ يحيى العوض تناول فيها خبراً عن (جيمي الدرويش)، طلب فيها من الهاوين والغاوين والمحترفين تتبع جذور (النص). ولمّا كنت هاوياً في تلقي حجج (الأيام المهدية) الغابرة، طفقت أبحث وأنقّب، حتى وجدت مقالة عن (جيمي الدرويش) في موقع (البي بي سي) بالإنجليزية.
وجدته نصاً قصيراً غير شافٍ، فواصلت البحث حتى عثرت على سيرته الكاملة مبذولة في أرشيف مقاطعة (دورهام) البريطانية.

(1)
بدأت حكاية الطفل السوداني مصطفى (جيمي لاحقاً)، مع وصول فرقة الانقاذ البريطانية إلى قرية (جِنس) ? بكسر الجيم – جنوب قُرى (عطّب وعمارة)، على مبعدة (170) كيلومتراً جنوبي وادي حلفا. كانت الفرقة البريطانية في طريقها لفك كُربة الجنرال غردون الذي حاصره أنصار المهدي في قصره بالخرطوم، وقبل أن تغادر فرقة الإنقاذ جنوباً، كان غردون قد قضى نحبه، فتلقت الفرقة أمراً بالعودة في ديسمبر من العام 1885م، لكنها اصطدمت في طريق عودتها شمالاً نحو وادي حلفا بقارب يحمل بعض أنصار المهدي، فأطلق زورق المشاة من كتيبة (دورهام) نيران مدفعيته على القارب حتى صار حطاماً، وحين تقدم الجنود البريطانيون نحو صرعى الأنصار، وجدت رجلاً جريحاً يحتضر وبجواره طفل في شهره الثامن عشر (تم تقدير عمره بعد فحص أسنانه، وتوصلوا إلى أن ميلاده ربما كان الأول من يناير 1885م).
ورد في النص الأرشيفي باللغة الإنجليزية، أن والدة الطفل لقيت حتفها وهي في طريقها إلى منطقة (البربرية) وربما قصد بذلك مدينة بربر، أو (البرابرة) التي كانت تطلق على النوبيين وقتها.
قال الأستاذ يحيى العوض في مقالته: (وجد الجنود بين الأشلاء والحريق، رجلاً طاعناً في السن مصاباً في ساقه وهو في حالة احتضار وإلى جواره طفل صغير يقارب السنة الثانية من عمره يلبس جبة الدراويش المرقعة والمفصّلة خصيصا له. كان ملطخاً بالدماء التي تطايرت من أشلاء الضحايا. وعندما رآهم (الطفل)، وقف منتصباً بجوار الشيخ المُسن المصاب، مشيراً بسبابتي كفيه الصغيرتين نحو الجنود وهو يصيح محاكياً صوت الطلق الناري: (بوم، بوم، بوم.. موتو.. موتو)!
(أثار المشهد دهشة واعجاب واشفاق الجنود، وبعد تفتيش القارب وتمشيطهم للمنطقة المحيطة به، تقرر رجوعهم إلى كتيبتهم بعد أن أخبرهم الرجل الجريح أن الطفل اسمه (مصطفى)، وهو ابن لأحد شيوخ (بربر) من مجاهدي المهدية، قتل بالرصاص عند مهاجمة القارب، وان والدته وشقيقه كانا في القارب وتمكنا من الفرار).
(بعد هذه المعلومات بوقت قليل، توفي الرجل المسن، فقرر جنود الكتيبة البريطانية أخذ الطفل معهم إلى معسكرهم كأسير حرب، وقدموه إلى النقيب الاسكتلندي إستيوارت، قائد كتيبة مُشاة دورهام، فأسماه: (جيمى الدرويش).
(2)
وضع النقيب إستيوارت الطفل مصطفى أمامه في سرج حصانه حتى أودعه قادته بإحدى المدارس التبشيرية في القاهرة، بعدما تقرر سفر كتيبة المشاة التي إلتقطته إلى الهند، فطلب إستيورات من قادته أن يحمل الطفل معه إلى هناك، متعهداً برعايته مدى الحياة، فنجح في ذلك فتغيّر اسم الطفل من مصطفى إلى (جيمس فرانسيس دورهام).
رافق الطفل جيمس، (مصطفى سابقاً)، الكتيبة في رحلتها إلى الهند العام 1887م. يضيف يحيى العوض: (اهتمت الصحف البريطانية بالطفل السوداني وطغت قصته على فشل حملة انقاذ الجنرال غوردون، ومن الهند انتقلت الفرقة ومعها طفلها إلى بورما، حتى بلغ الرابعة عشرة من عمره. ودخل تاريخ الجيش البريطاني عندما تقرر ادخاله في الخدمة العسكرية، وكانت القوانين لا تسمح في ذلك الوقت بالتحاق السود بكل مخصصات الخدمة ومساواتهم بأقرانهم من البيض. ونشطت حملة داخل الجيش بمساندة الصحف، لاستثناء الدرويش الصغير، ولمّا كانت الملكة فيكتوريا من المعجبين والمتابعين لقصة (مصطفى البربري)، تدخلت لمنحه استثناءً تاريخياً صدر في يوليو 1899م، ليصبح مصطفى الدرويش الصغير، أول جندي أسود في تاريخ الجيش البريطاني ينضم إلى الخدمة الكاملة ونمرته العسكرية تحمل الرقم (6758).
(3)
عاد جيمس فرانسيس، أو جيمي الدرويش إلى مدينة دورهام في العام 1902م واستقبل استقبالاً حافلاً من سكان المدينة، وتزوج في العام 1908م من الآنسة (جين جرين)، لكنه سرعان ما أصيب بإلتهاب رئوي حاد بعد نقله إلى أيرلندا الشمالية نتيجة للطقس البارد هناك، فتوفي وعمره لم يتجاوز السابعة والعشرين، فتم تشييعه في جنازة عسكرية.
اللافت أن زوجة (مصطفى) أنجبت له ابنة أسمتها (جوب فرانسيس) بعد ثلاثة أسابيع من رحيله، فعاشت لعمر مديد حتى وفاتها في العام 1998م، وخصصت مدينة دورهام معرضاً يروي قصة حياته بقاعة بلديتها، والتي نقلت لكم بعض النصوص المتعلقة عن حياة (مصطفى السوداني) من صفحتها الإلكترونية.
اللافت في الأمر، أنّ بعض (شذاذ الآفاق)، خرّب قبر المجاهد السوداني السابق (مصطفى)، والجندي البريطاني المسيحي اللاحق (جيمس)، في العام 1984م، فأعيد ترميمه دون توجيه الإتهام لأحد.
ماتت ابنة (مصطفى) عن عمر يتجاوز الـ90 عاماً ولا أحد يعرف شيئاً عن أبنائها أو أحفادها، فهل منكم من يعرف شيئاً عن (مصطفى) الذي من (عندينا)؟!