الاستقرار الاقتصادي والالتزام بالقانون

* يعتبر البعض بأن مراقبة الأسواق ، ومعاقبة المخالفين للقانون الذين لا يلتزمون بالأسعار المعلنة والمصرح بها ، تلك هى الوسيلة لتحقيق الإستقرار الإقتصادي ، وهؤلاء قد تحالفهم الصحة في جانب ، ويجانبونها في جانب آخر ، ذلك لأن إلزام النَّاس بإتباع الطرق القانونية ، وتخويفهم عن طريق عصا العقوبات فيما لو خالفوا ، فإن مثل هذا المنهج ، ليس فاعلاً في حالة عدم إنسجام القانون مع الواقع ، أو تضاربه مع الأعراف ، والقيم المرعية ، وأى ممارسة من هذا القبيل قد تؤدي إلى إستقرار نسبي ، ومؤقت ، لكنه ليس الإستقرار المطلوب ، ولا المستديم ، بإعتبار أنه إستقرار مصنوع تحت وابل من الضغط والإكراه .
* فالسلعة إذا حصل عليها التاجر بما يتناسب والسعر المعلن ، فإنه سيبيعها للجمهور وفقاً لما أعلن عنه ، ولكن إذا إستحال على التاجر أن يجد السلعة إلا بعد دفع مبالغ ضخمة تتجاوز التسعيرة فإن القانون هنا فيما لو طبق سيكون في إتجاه التعسف والتخويف ، الذي سيؤدي إلى خسارة ، أو قد يؤدي في نهاية المطاف إلى تجفيف الأسواق من هذه السلعة فتحدث الندرة ، ولا يجد المواطن مثل هذه السلعة إلا بعد عناءٍ يجعله يبحث عنها فيما يسمى بالسوق السوداء .
* والإستقرار الإقتصادي ، لا يُحمل النَّاس عليه بالسوط والكرباج ، وإنما هو صيغة موضوعية ، ومنطقية لإحداث التوازن ، والتحكم في العرض والطلب ، وتوفر السلع بتكلفة مقدور عليها وتتناسب مع المداخيل للفقراء ، ومتوسطي الدخل ، وغيرهم من الذين تقع السلطة لديهم موقعاً ، يلامس الحاجة ، وما تتطلبه المقتضيات .
*والقانون هو كذلك يعتبر أداة للضبط والتنظيم ، وليس للتخويف لكنه وفي جانب منه ليس غالباً ، يحد من الخروج على النظام ، ويردع الحالات الإستثنائية التي ترتكب فيها المخالفات.
* والذين يعملون لتحقيق الإستقرار الإقتصادي ، عليهم ألا يعولوا كثيراً على قوانين تُسن ، وعقوبات تطبق ، بقدر ما تكون السياسات الإقتصادية ذات تناغم مع الواقع ، والممارسة تتسق مع الوفرة في الإنتاج ، ونظرية العرض والطلب ، وغيرها من أسس ، هى جوهر العملية الإقتصادية ، وضمان الإستقرار في المعاملات .
* أما إسهام الدعم الذي تقدمه الدولة لإحداث الطمأنينة ، وكفاية الحاجات للمواطنين ، وسهولة توفر الخدمات الأساسية ، تلك صيغة تتبعها حتى الدول الرأسمالية المطبقة لقانون السوق ، وحرية الإقتصاد .
* وهناك الكثير من الدول الأوربية التي تكفل الحياة الكريمة ، وتقدم الخدمات الأساسية لمحدودي الدخل ، أو العاطلين عن العمل فتوفر لهم كل المقتضيات من سكن ، وإعاشة ، وتدفئة ، وغيرها إلى أن يتم توفيق أوضاعهم ، وحصولهم على عمل به يستغنون عن الدعم .
*والدعم المقدم للمواطنين ، لا يعني بأننا سنستغني عنه ، ونحن نسير نحو نظام التحرير الإقتصادي الكامل ، فقد يظل الدعم قائماً للخبز ، والمحروقات ، وغيرها من السلع الضرورية ، والخدمات المهمة ، كالكهرباء ، حتى وإن كان التوجه العام في الدولة هو إلغاء مثل هذه الدعومات .
* والأمثلة قد تفوق الحصر ، حيث لا تناقض بين دعم تقدمه الدولة يتخذ شكل الديمومة ، وحرية للتجارة في جوانب أخرى لضمان التوجه القاصد نحو تحرير الإقتصاد.
* فالدعم للسلع والخدمات في البلدان الرأسمالية معمول به ، ولكن السؤال لمن يوجه الدعم ؟ وما هى معايير تقديمه ؟ .
* وهنا نستطيع الحصول على الإجابات التي تدلنا نحو تحقيق الأهداف الكلية ، لما نسميه الإستقرار الإقتصادي ، والله أعلم .