دجل وعروق .. شعوذة وحجبات هل عجز الطب عن (مداواة) العلل أم عجزت الجيوب عن منصرفات العلاج؟

الخرطوم- الصحافة
مجموعة كبيرة من الحيوانات والضفادع والسلاحف، والقنافذ، والثعابين وغيرها من المخلوقات يستعملها دجالون ومشعوذون فى علاج خلق الله من السودانيين، فضلاً عن الأعشاب، الجلسرين، القورو، ضنب الورل، لسان السحلية العزباء، لبن الطير. كل ذلك ليس (مفروشاً) على عين وزاراة الصحة، و(إضنين) علماء الدين فحسب، بل يُلاقي إقبالاً منقطع النظير.
تحقيقات كثيرة أجريت حول هذه الظواهر، صحفية وتلفزيونية، عكست (العجب العجاب)، بالقرب من المساجد تُطبخ الفتاوي، وأمام المستشفيات (يُشوى) العلم والمعرفة الحديثة على نار المختبرات والموجات فوق الصوتية وفوق الحمراء يعرض هؤلاء وفي تحدٍّ كبير بضاعتهم ويروجون لها.
تحقيق (على تحقيقات) هذه هي الفكرة التي حملناها إلى من استطلعناهم، لنتبين كيف ينظرون إلى تلك الظواهر ولماذا برأيهم هذا الإقبال عليها؟ وهل عجز الطب عن (مداواة) العلل، أم عجزت الجيوب عن منصرفات العلاج؟ أم هي ثقافة السودانيين تجعلهم يهابون طعنات الحُقن ومشارط الجراحين، وطعم الدواء؟.
الأعشاب أصل الدواء
يقول العطار (علي عثمان): الموضوع دا كبير وواسع، لكن خليني أؤكد ليك أولاً أن معظم الدواء مستخرج من الأعشاب والنباتات وكان (العشابون) هم صيادلة وأطباء زمان، بس دا ما ينفي إنو المهنة تعرضت في السنوات الأخيرة لدخول من لا علاقة لهم بها أصلاً. وفي الناحية الأخرى يواصل (علي العطار) إفادته:
ـــ تنفتح مساحات أكبر للدجالين والمشعوذين وأقصد بالناحية الأخرى دي موضوع العلاج بالقرآن والحجبات والمحاية، وكذلك ادعاء حدوث المعجزات، وهنا يتم استغلال ضعف الناس وحاجتهم وجهلهم، وكذلك عجز الجهات الصحية المختصة من مستشفيات ومراكز صحية على تقديم خدمة مقنعة لذوي الحاجات، علاوة على المماحكات من شاكلة (تعال بكرة الليلة الاختصاصي ما جا، غرفة العملية ما جاهزة.. ودائماً ما تجد عندنا نحن السودانيين من ينصحك لتلقى حتفك، فمثلاً ما أن تحكي للبعض عن أن والدك يعاني من كيت وكيت، وأن أقدامك حفيت وجيوبك فضت جراء مساسكة الأطباء حتى يدلك على طريقة أسهل:
ـــ شوف يا خوي والله العظيم في (حلة….) في فكي بياضو خفيف وعلاجو مجرب ومية المية، ولأنو الغرقان يتعلق بقشة، عشان كده الناس تجرب.
وأضاف:
ـــ يعني يسوا شنو؟؟.
ثقافة مجتمع
من جانبها أرجعت (نهى الطيب)- موظفة حكومية- لجوء كثيرين إلى ما أسمته بالحل الصعب والسهل في آن إلى أسباب عديدة منها ثقافة المجتمع التي تعتقد في الأولياء والشيوخ ما يجعل الطريق سالكاً أمام الدجالين والانتهازيين -بحسب تعبيرها- للإيقاع بالبسطاء والفقراء في براثن علاجهم الذي لا يشفي مرضاً بل ربما يفاقم من الأمر، واستطردت (نهى): شخصياً لا زلت أتذكر قصة تلك الطفلة التي ماتت جراء لدغة أفعى وضعها أحد (الدجالين) على رأسها مُدعياً أنه بذلك سيعالجها من صداع مزمن!.
وأذكر ان إحدى زميلاتي كانت مصابة بالبواسير، نصحناها بالذهاب إلى الطبيب لكنها قالت إن حياءها يمنعها، وفي الحقيقة (جهلها) هو الذي غلبها، عموماً أُضطرت إلى الذهاب إلى أحد المعالجين البلديين، أتدري ماذا أعطاها:
ـــ زيت فرملة!! وبعد داك حصل الما بتحكي!.
المتاجرة بصحة الناس
(مختار دفع السيد) -بائع متجول- قال : طيب لو منعتوهم الناس المساكين ديل يتعالجوا وين؟ بعدين الدين ذاتو قال الناس ممكن تمشي للفكي عشان يعزم ليهم.
وأضاف: الدكاترة بقوا ضباحين، شيء فحص وشيء كشف، وبعدها الدواء، ومستشفيات الحكومة بقولوا ليك مجاناً، أول ما تجي يتجننوا عليك!
وواصل (مختار):
ـــ دا غير إنو في أمراض كده -أجارك الله- صعب إنو (تمشي بيها) لدكاترة.
من ناحيته اعترض (عوض السيد) -صاحب طبلية- بحدة على ما ذهب إليه (مختار) بقوله: دا جهل ساكت، يا خي ياتو دين القال أمشوا لفكي؟ بعدين الفكي المات دا كيف يعالج الناس وهو ميت، بلا نافورة بلا كلام فارغ، والناس بتاعين الأعشاب ديل أغلبيتهم منافقين ودجالين، يقولوا ليك نعالج كده وكده ديل نفسهم ما يعالجوها، وأنا بعرف منهم ناس أول ما الواحد يمرض، جري للدكتور! ديل بيستغلوا جهل الناس، وياخدوا قروشهم دون وجه حق، ديل يفترض يُحاصروا ويضيقوا عليهم الخناق ويطاردوا بدل تكون الكشة للناس المساكين الببيعوا في سوق الله أكبر دا، حقوا يكشوا البتاجروا في صحة الناس ويحتالوا عليهم.!.
انتشار الدجالين أمر مقلق
وفي السياق ذاته، شرّح الأستاذ عبد الله منديل، باحث في علم الاجتماع، والظواهر المجتمعية الظاهرة، قائلاً: إن التحولات التي يشهدها السودان لا تعني تحولاً جوهرياً في بنيته الثقافية بالضرورة، بل إن بعض الممارسات والعادات القديمة ذات الأبعاد الغيبية ما زالت سائدة بين فئات عريضة من هذا المجتمع. ويرجع تلك العادات إلى تفاقم الأزمات وتداخلها وارتفاع نسبة الفقر والبطالة والأمية بين هذه الفئات مع تنامي حاجاتها، يزيد من تعاطيها لبعض الممارسات الغيبية لحل مشاكلها. وأضاف أن انتشار الشعوذة يعكس انتصار الثقافة التقليدية اللاعقلانية التي تفسر كل شيء بالغيب. ويضيف (منديل) إن نسبة التعاطي بالشعوذة تكاد تكون هزيلة بين الشباب والشابات على ما هي عليه لدى كبار السن، كما أن تغاضي الجهات المسؤولة عن انتشار الظاهرة يجعل علاجها صعباً عندما تستفحل.
وواصل الأستاذ عبد الله إفادته مؤمّناً على أن انتشار الدجالين يعتبر أمراً مقلقاً حيثُ تراهم أينما وليت وجهك: في وسط الخرطوم قرب الجامع العتيق، والمستشفى ويحتلون بعرباتهم شوارع إستراتيجية ولا أحد يسألهم، وحدث ولا حرج في سوقي أم درمان وليبيا حيثُ تباع كل المواد المستخدمة في السحر أو العلاج منه مثل الشبا والحرمل والفاسوخ واللدون، واللبان ذي الرائحة الكريهة، ويدعون أنها تساعد إبطال العين والعلاج من السحر أحياناً.