قراية البطون في جراية السجون

يرويها :وجدي الكردي
وأنا أقف متكئاً على سياج السيخ الحديدي غليظ القلب و«اللينيا» الذي كان يفصل بيني وبين أحد معارفي من اللذين إختارتهم السجون للإقامة فيها حبيساً «لأن القانون خالف معتقداته في الحياة»، تذكرت رواية «شرق المتوسط»، للأديب السعودي عبد الرحمن منيف، وهي الراوية التي تعتبر الأولى في أدب السجون والشجون والمساجين والمجانين ممّن ألقت بهم المقادير خلف القضبان.
قال عبد الرحمن منيف في واحدة من مقاطع روايته السجينة: «البكاء يهد أكبر الرجال، وأقصى ضربة توجه لرجل أن يرى أمه أو أخته تبكي أمامه».
وقريباً ممّا قاله منيف في روايته، كنت أغالب آلامي وآذاني من أن تسترق السمع لامرأة «كابست» لقدميها ووجها المغبرّين مكاناً في السياج قريباً مني لتناجي عبرها زوجها الحبيس من بين دموع تحجرت من الإعتياد وتكرار «الطلة» وفقدان الأمل في حرية لا تبدو قريبة النوال.
كان السجين فكهاً كأنما السجن «ما فراقة معاهو»، رغم أن السجن بأسواره عريضة المنكبين بدا لي أنه: «هو الما فارق مع المسجون ده»، فسمعت الرجل يقول لزوجته فيما قال: «بالمناسبة يا حميدة، بكرة حنحتفل في السجن بي مرور سنة من ما طفشو لينا الجراية».
أعجبتني فكرة الرجل، فقد سمعت كثيراً عن مصيبة «الجراية» ما لايسر، فكيف إحتفل مساجين السودان بذكرى طفشانه من بطونهم الجائعة؟!

«1»
لم أجد أحداً يحدثني عن «تاريخ دخول الجراية الى السودان»، أسوة بمحمد علي باشا، فربما كانت الكلمة تركية الأصل، أو عربية فصيحة من جرى يجري «له»، فهو جراية، لكن أحد الراسخين بين القضبان واسمه «اللورد» قال ان الجراية نظام غذائي إعتمدته الإدارة الإنجليزية للسجناء بعد أن لاقي نجاحاً لافتاً في إسكات «عصافير بطون» الجيش السوداني الذي كان يستعد للمشاركة في الحرب العالمية الأولى لصالح الحلفاء من منطقة القضارف التي تتوفر فيها «عيش الفيتريتة» منخفض السعر، فوجده الإنجليز هدفاً سهلاً ليصنعوا منه طعاماً «سيء السمعة»، رافق الجنود سنيناً قبل أن يلتصق بإمعاء المساجين قرابة القرن من الزمان والطعام.
«2»
«اللورد»، سجين مخضرم يعتبره البعض عميداً للمساجين في السودان، بعد أن ظل يتردد على السجون منذ أكتوبر من العام 1964 حين إرتكب أول جرائمه بالسطو على فندق كمال مصطفى راشد «الهلالابي» الشهير بـ «كيشو»، وربما هو فندق السفير الآن بشارع الحرية.
قال اللورد أنه أحد أقدم صنّاع «الجراية»، ثم طفق يشرح طريقه صنعها الفريدة ، قال اللورد:
«كنا نقوم بطحن عيش الفيتريتة ليلاً حتى تصير دقيقاً أحمر داكنا ثم نقوم بعجنها كيفما اتفق، «بما في ذلك إستعمال الأرجل» ونتركها حتى الصباح لتتخمر ثم نخففها بالماء حتى تصير شبه سائل ثم نقطعها إلى أقراص مربعة الشكل بسمك سنتمتر ونصف، وبحجم أكبر قليلاً من الرغيف الدائري ونبدأ في وضعها على «صيجان الحديد» الذي يتسع الواحد منها لـ «200» قرص من «الجراية»، ثم يوضع الصاج على نار ملتهبة من الحطب، أو نيران الجازولين التي نستفزها بقطرات دقيقة من الماء فتزيد غضباً وإشتعالاً».
عادة ما يكون نصيب السجين ثلاث جرايات يوميا تصرف له مع وجبتي الإفطار والغداء، إضافة لكوب شاي أحمر صغير عليه قليل من السكر في الصباح، ثم كمشة فول وجرامين زيت وملح للإفطار، ثم كمشة ملاح للغداء، وهو غالباً ما يكون من عدس أو بامية أو قرع أو رجلة أو خدرة «دقاقة»، وعادة ما يكون سيئ الطبخ ومخففاً إلى حد كبير بالماء، «طبعا عشا في السجن مافي»، كما قال اللورد.
«3»
ويقول اللورد ان السجون ما كانت تسمح بالغذاء من خارج السجن، ولكن الأمر تغير الآن فأصبح مسموحا به، بل تم إلحاق متاجر بالسجون بها ما لذ وطاب «إلا يخونك جيبك، أو حبيبك».
ويؤكد اللورد أن الغذاء الذي تصرفه السجون اليوم لنزلائها بات مقبولا ولائقا ومستساغا، لأنه يتكون من اللحوم والشوربة والبيض والألبان والزبادي ومديدة البلح بالسمنة والخضروات، إضافة للوجبتين الراتبتين وهما الإفطار والغداء وقبلهما شاي الصباح، ويضيف اللورد ساخراً: «زمان الحاجات دي إلا نشوفا في الأحلام».
ومن شيطنة المساجين وحيلهم في التغلب على تصاريف الجراية وقسوتها، يقول اللورد: «كنا نذوبها ونصفيها من الحصى والقش بواسطة ملابسنا، ثم نعيد صناعتها فتصبح عصيدة نضع عليها الفول أو الملاح مع الزيت والملح والبصل «إن وجد»، والشطة المهربة، ونأكل بى شهية «والله ما تدي الزول الواقف الجنبك»، وعندما تسنح الفرص للتحلية، نخلط الجراية بالسكر والطحنية واللبن، «أهو، كنا بنتصرف مع المصيبة دي الله لا جابا لينا تاني»..
وحكى اللورد طرفة تتعلق بالجراية عن أحد المحبوسين إلى «حين السداد»، فقد سأله القاضي ليسدد دين الشاكي فقال «كويس»، وفي الجلسة القادمة التي أتى إليها من محبسه مع حرسه، جاء يحمل يحمل كيسا مليئاً، أفرغه أمام القاضي فكانت «جراية ناشفة»، ثم قال للقاضي: هذا ما استطعت توفيره من غذائي للشاكي، وعليه ألا يتوقع مني في كل جلسة أكثر من هذا، طالما أنني في الحبس ولا أستطيع أن أوفر شيئا غير هذه الجراية..!
«4»
في مثل هذا اليوم من العام الماضي الموافق الأول من مايو، أصدر مدير الإدارة العامة للسجون وقتها، اللواء شرطة عبدالمحمود محمد عبدالمحمود قراراً قضى بإلغاء نظام الجراية من السجون وإبدالها بست رغيفات سمان تصرف يومياً للسجين الواحد، فكتب الشاعر «حسن سيد»، وهو نزيل سجن «إلى حين السداد»، «ضاق» مرارة «الجراية» والحبس معاً، كتب في وداعها القصيدة الهجائية التالية:
«بقول وداعا يا جراية/ وان شاء الله القالو صاح/ ماشه وماكي جاية/ بى عيشك الفي المطمورة عاول/ وفي اللواري وفي المخازن/ وفي صبرة السوق مصوفن/ لونو زي لون الحجارة/ ومرة أسود زي حبر الدواية»..
?*****
«تشبهي الطوبة المدوشرة/ في كمينة نارا حاره/ ولا لستك قام وبنشر ودى لوريهو النهاية/ أنا ما بشنف فيك أصلا/ الشناف ما إنتي ستو من ولادتك في البداية/ من زمن جونا النصارى وسكنو دارنا وسووا حكما في السراية»..
?*****
«ما شفنا منك غير نفخ مصرانا ديما/ وإنتي جاية زي جيوش في يوم رماية/ حتى هضمك داير دبارة/ ما إنتي زي حجارة بتجينا واقعة/ إلا بس عاملين عمايا»..
?*****
«ما بتشبهي الكسرة الرهيفة القمنا بيها من ربينا/ ولا قراصة وعصيدة ولا حتى كمان رغيفة/ طعمك الحامض إنتي يا السموك جراية/ مابتحمل مرارة طعمك الغنماية».
?*****
«المهم في القصة إنك حاجة تانية ما في زولا شافا بره/ إلا واحدا في السجون/ كان في ديون أو في جناية/ مكتوب عليهو يومي ياكلك و يقضي ليلو في الهناية»..!