في الحديث عن ما هو سياسي وتنفيذي في المؤتمر الوطني.ترفيع وكالة السودان للإنباء.. وليس الأستاذ عوض جادين!!

وكالات الأنباء هي المطبخ الأساسي لصناعة الأجندة العالمية

الخرطوم:محفوظ عابدين
لازالت بعض الاقلام تتناول التعديلات التي حدثت في قطاعات وأمانات المؤتمر الوطني مؤخرا ،ولقد نال قطاع الإعلام وقطاع الاقتصاد الحظ الأوفر من التناول ،والأمر قد يكون بديهيا لأن الأزمة التي تترأى امام أعين الناظرين هي في الأصل أزمة اقتصادية ، وبالموارد والامكانيات المتاحة في السودان يجب الا تكون هنالك أزمة ، وتبقى الأزمة في تلك المدارس الاقتصادية ونظرياتها وتطبيقاتها التي تقود الاقتصاد ،وفي الشخوص الذين يقودون دفة التنفيذ ، وبالمثل يرى البعض ان الازمة في الاعلام الذي لايستطيع القيام بواجبه تماما في أن يضع عامة الناس في الصورة على حقيقة الاوضاع في البلاد ،ولايعبر بشكل دقيق عن قضايا الناس ولايمثل مرآة عاكسة لهموم وأحلام وتطلعات الشعب ، وبالتالي جهد الحكومة في مجالات التنمية والاصلاح وتقديم الخدمات ، لايراه الناس بصورة واضحة ، وكأن في الامر غباش او في العيون «عمش» وبالتالي فان جهد الحكومة لايرى للعامة كما يجب ان يكون، وبالمثل فان احتياجات وقضايا الناس الملحة ، لاتوضع في اولويات التنفيذ باعتبار انها لا تصل الى السلطات بذات القدر الذي يجب ان تصل، حتى تعدل السلطات من خطتها في التنفيذ او ترتيب الأولويات ، وكل هذالامر ان كان في حق السلطات او في حق الناس ،فان الاعلام هو المسؤول الأول لانه لم يستطع ان يعبر عن الاثنين ، وبالتالي كل طرف يصب جام غضبه على الآخر والسبب الاعلام، وبالتالي يضيع جزء مهم في ان تتكامل الادوار بين السلطة والناس من أجل ان تتحقق الأهداف .
وكنا نتوقع من الاقلام التي تناولت الاعلام ودور قطاع الاعلام في تصحيح الاوضاع والمفاهيم والوصول بالرسالة الاعلامية الى مبتغاها في ان تعبر عن كل الأطراف ،حكاما ومحكومين وعن الاهداف والمشروعات التي تهدف مباشرة الى تحقيق الغايات وتوفير الخدمات والوصول الى مجتمع الرفاهية من خلال تكامل الادوار .
ورئيس قطاع الاعلام نفسه ومن قبله نائب رئيس الحزب للشؤون السياسية والتنظيمية كل كان يتوقع من حملة الاقلام ، أن يضعوا رؤى وافكارا تعين القائمين في أمر الحزب بالنهوض بقطاع مهم كقطاع الاعلام الذي يمثل خط الدفاع الاول وخط الدفاع الاخير في كل القضايا القومية المرتبطة بالمواطن مباشرة وبالقضايا الاستراتيجية المرتبطة بالشأن الدولي والأقليمي.
ولكن للأسف ان حملة الاقلام ركزوا على أمر يرون فيه اختلالا ، ويجب ان يصحح هذا الاختلال مابين التنفيذي والسياسي ، ولم يجدوا صورة لرؤيتهم هذه سوى وضع الاستاذ عوض جادين مدير وكالة السودان للإنباء الذي تولى قطاع الإعلام في المؤتمر الوطني في التعديلات الاخيرة ، وبوضعه السياسي هذا فقد أصبح رئيسا لنوابه الوزيرة تهاني عبد الله وزيرة الاتصالات وياسر يوسف وزير الدولة بوزارة الاعلام ، وبعض الزملاء يرون انه لابد من تعديل هذا الوضع ، بترفيع رئيس قطاع الاعلام الى منصب وزير اتحادي او وزير دولة على أقل تقدير، حتى يستقيم الأمر، وقد استندوا على ما تم في شأن الاستاذ حامد ممتاز الذي تولى رئاسة قطاع الاتصال التنظيمي وتم تعديل موقعه التنفيذي من وزير الدولة بالخارجية الى وزير ديوان الحكم الاتحادي وهذا المنصب هو الذي يتوافق تماما مع منصبه السياسي في الحزب وذلك لمزيد من الاحكام والتنسيق بين ماهو سياسي وتنفيذي ،وحتى لايحدث اختلال كما يرى البعض من حملة الاقلام .
ففي الوقت الذي يتناقص فيه دور وزارات الاعلام في الدول ،وفي بعضها لايوجد في مجلس وزرائها «وزير إعلام» خاصة في الدول المتقدمة ، يتعاظم دور وكالات الأنباء في العالم ، لأن وكالات الأنباء هي المطابخ الأساسية لصنع الاجندة العالمية ولعل ذلك لم يكن بعيدا عن الأذهان فقد رأي الجميع ماترتب عليه من احداث وصناعة اجندة ترتبت عليها مواقف سياسية وتحالفات ،عندما تم إختراق احدى وكالات الانباء مؤخرا ، ولقد رأي الجميع كيف تشكلت الاحلاف السياسية؟ وكيف تم تنسيق المواقف بين طرفي الأزمة في اختراق وكالة الأنباء ؟، ومن هذه المواقف وغيرها تظهر أهمية وكالة الأنباء، في صنع السياسات ، فهي التي تقود الاعلام إن كان فضائيا أو أثيريا أو إلكترونيا ، او ورقيا ، ولم تعد خادمة له كما كان سائدا من مفهوم سابق لدى وسائل الاعلام الأخرى ، وهي ايضا مهة جدا في قيادة العمل السياسي والدبلوماسي والعسكري والاستراتيجي واحيانا الاستخباراتي بما يخدم الاجندة والأهداف الوطنية.
ومدير وكالة الانباء في الصين أعلى مكانة من الوزير بل هو نائب رئيس الحزب ،وأحسب انه عندما تم اختيار جادين لرئاسة قطاع الاعلام وبغض النظر عن خبراته في مجال الاعلام او صفاته الشخصية ، فان التقدير جاء لوكالة الأنباء السودانية التي تستحق الاحتفاء والتقدير لدورها الكبير ومكانتها ، وأهميتها في صنع السياسات والاجندة الوطنية ، وفي اختيار جادين لقطاع الإعلام ،هو تقدير للوكالة واستكمال لإهتمام الحكومة بالاعلام والذي بدأ بترفيع أمانة الاعلام في المؤتمر الى قطاع ، وتخصيص مجلس من المجالس السيادية التي أعلنها رئيس الجمهورية مؤخرا ،مجلسا للاعلام برئاسته ،وهذا يعني ان الدولة إلتفت الاعلام بشكل يكشف ان الاعلام سيشهد نقلات كبرى في مجال التطوير والمواكبة ، بما هو شبيه في العالم.
ووكالة السودن للأنباء التي أنشئت عام 1970م دخلت في دائرة الاهتمام الدولي الاقليمي وعندما تجاوزت عامي «الرضاعة » من عمرها بقليل ، كانت حاضرة في صراع الاطراف في دولة تشاد في السبعينات ، وكانت تنقل الحرب الدائرة هنالك بدقة وسرعة وتفاصيل دقيقة وكانت رئاسة الجمهورية تتابع تطورات الأحداث، ومآلاتها من أخبار ومتابعات «سونا» بل كانت هنالك غرفة عمليات موجودة داخل القصر الجمهوري لتقييم الموقف وكانت مادتها الاساسية هي تغطية «سونا» ، بل تجاوز الأمر في إعتماد الوكالات الاخرى على تغطية «سونا» ليصل الى دول كبرى مثل بريطانيا وفرنسا التي كانت تبني تقديراتها للصراع في تشاد بين الاطراف المتنازعة بناء على تغطية «سونا» للأحداث هنالك.
وكان الرئيس جعفر محمد نميري يهتم بوكالة السودان للأنباء، وكانت تسمى في ذلك العهد ب«فتاة السودان المدللة» نظير الإهتمام بها ،والذي كان يعمل في«سونا» في ذلك الوقت كأنه يعمل الآن في شركات الاتصالات والبترول وذلك لان شروط الخدمة فيها ممتازة وكانت تتمتع بكادر بشري مؤهل ، حيث خرج الكثيرون من «سونا» واتجهوا للعمل في المنظمات والسفارات، ووكالات الانباء العالمية في الخارج ،وحتى وزارة الخارجية السودانية تضم قيادات عملت في «سونا»، ومنهم وزير الدولة بالخارجية الذي تم تعيينه مؤخرا السفير محمد عبد الله ادريس والذي غادرها في العام 1982م عام إلتحاقه بالعمل الدبلوماسي ، وكان السفير خالد فرح سفير السودان السابق في فرنسا والان هو سفير السودان في الكنغو من الذين عملوا في «سونا» قبل إلتحاقه بالخارجية.
ولقد وثق الدكتور محمود قلندر استاذ الاعلام في ماليزيا وقطر في كتابه الاخير عن الاعلام والذي وزع منه صديقه سليمان عوض الله في صحيفة القوات المسلحة سابقا نسخا منه لعدد من القيادات الاعلامية ،قال قلندر ان وكالة السودان للانباء كانت تسمى«وزارة سونا للأنباء» لان مقاعدها في طائرة الرئيس نميري محفوظة في أي رحلة للرئيس ان كانت داخلية أو خارجية ، فاذا كان الرئيس نميري قد اهتم بوكالة السودان للأنباء قبل أكثر من «40» عاما ، فما بالها اليوم؟ والذي يتعاظم فيه دور وكالات الأنباء في صناعة الأجندة العالمية ،وقيادة الإعلام؟.
والمطلوب الآن هو ليس ترفيع عوض جادين لوزير اتحادي او وزير دولة في الإعلام ، ولكن المطلوب هو تمكين «سونا» للقيام بدورها الاعلامي والوطني كاملا ، فاذا كان مدير وكالة الانباء في الصين مكانته أعلى من الوزير وهو نائب لرئيس الحزب الشيوعي ، فان جادين لا يحتاج لترفيع ، بل «سونا» هي التي تحتاج للترفيع والتمكين ، وهذا يخرجنا من دائرة الاهتمام بالأشخاص الى دائرة الاهتمام بالمؤسسات، وهذا ما ينقصنا.