روايات خاصة : 6 أبريل 1985م

«1»
فى يوم 10 مارس 1985م ، خرجت من الداخلية مبكرا ، وكنت معنيا بتأمين بعض المعلومات وتنسيق بعض المهام ، وكان المنزل الذى نسكن فيه وهو مؤجر فى امتداد بيت المال ويجاور جامعة ام درمان الاسلامية ، كان احساسا عاصفا ونحن نواجه لاول مرة تحديا امنيا فى اعمارنا تلك ، فقد انقلب الرئيس جعفر نميرى ذلك الصباح على الاسلاميين ، وقبل يوم او اكثر من ذلك وصلنا تنبيه بتأمين الوثائق الضرورية ، وكان المقصود قوائم العضوية بشكل رئيسي ، واتجهت الى شارع العرضة ومجرد وقوفي ، ركنت قربي سيارة صالون فضية وانزل الزجاج رجل ستيني ويعلو رأسه الشيب وطلب مني الركوب وفعلت ، كنت متحفظا عن اتجاهي ورجوته توصيلي الى المحطة الوسطى فحسب ، بينما أصر على توصيلي الى أي مكان اريده (يا بني ما دام طلعت بدري كدا يكون عندك موضوع مهم؟) ، وانتهى الامر بالنزول في المحطة الوسطى ، واتجهت حيث اريد ، وكان صاحب العربة الفريق عباس مدني وزير الداخلية انذاك، وكان قد حدثني وانا اغادر انا عباس مدني ومن شدة انشغالي لم انتبه الا في اخر لحظة انني كنت مع وزير الداخلية – رحمه الله واسكنه فسيح جناته – و المشهد وما تلاه كانت احداث متلاحقة وعاصفة شكلت نقطة في تاريخ السودان وكنا جزءا من ذلك الحراك الكبير ، انها 27 يوما مفصلية في المسار السياسي السوداني(من يوم 10 مارس الى 6 ابريل 1985م).
ومع ذلك انجزت المهمة ، وكان اكثر الامور اهمية عندي تأمين مطبوعات طلابية وصحف حائطية يرجع تاريخها الى عام 1967م ، وتم حزمها برفق داخل اطارات سيارات وايداعها منزل الاخ احمد عبدالله (شيخ المدينة) – رحمه الله – والذي نشط ايام المفاصلة في جمع توقيعات بالمجلس الوطني لاقرار منصب رئيس وزراء ، وتوفي عام 1999م.
(2)
في صبيحة يوم 26 مارس 1985م ، دعا اتحاد طلاب جامعة ام درمان الاسلامية الى لقاء جامع وخطاب نقابي ، وكانت الاجواء عاصفة ومنذ نشر الصحف الحائطية بالجامعات السودانية (اخر لحظة) بجامعة الخرطوم ، و(المرصد) بجامعة ام درمان الاسلامية في يوم واحد تفاصيل ترحيل النظام للفلاشا، كان واضحا ان المسارات قد اختلفت وان حدثا كبيرا في طريقه للتشكل ومع خطاب مستفز للرئيس جعفر نميري كال فيه الاتهامات للجميع ودعا الى تقشف اقتصادي (من يأكل ثلاث وجبات ليستعد لوجبتين ) ، ومع اعتقال قيادات من الاسلاميين وملاحقة البقية فإن الشعور العام كان طاغيا ، ولم يكن ذلك ذات احساس وهدف قادة الاتحاد سوى تعبئة عامة ولم تتبلور رؤية لثورة و كان يقود الاتحاد (التضامن الاسلامي ) وهو تحالف حزب الامة والاتحادي الديمقراطي والقوميين والناصريين والبعثيين وبعض اليسار ) وكانوا ضد فكرة اي خروج او تظاهرات ضد النظام وقاوموا ذلك بشدة ، وحتى بعض الاسلاميين بدا توجههم متحفظا حتى ذلك الوقت ، فقد باغتهم النظام باعتقال قيادات من الصف الاول وبدأ في ملاحقة الاخرين ، وكانت خيارات المواجهة متعددة ما بين التظاهر او العصيان او حتى الانقلاب عليه ، ولكنها لم تتبلور لاغراض الاطمئنان على المعتقلين وخوفا من بطش النظام بهم وكان ثمة اتجاه لتهريب دكتور الترابي من السجن ولكنه وحسب علمي رفض الفكرة ووجه بأن يمضي اتجاه مقاومة النظام قدما ، وقبل ذلك لم يكن لدينا سوى هوامش مناورة محدودة ، وقد اخترنا الخروج للشارع في جامعة ام درمان الاسلامية ، وبعد انتهاء خطاب رئيس الاتحاد (سلامة محمد احمد – حزب امة وقتها )، قاد الطلاب الاسلاميون تظاهرة الى المحطة الوسطى ووجدت تجاوبا شعبيا واسعا ويبدو ان الاجهزة الامنية فوجئت بما جرى ، وحتى القوى السياسية المعارضة لم تتهيأ لهذه اللحظة ، وكانت التظاهرة مؤشرا للغضب الشعبي وحالة الاحتقان العام.
(3)
في يوم 27 مارس 1985م ، عاودت طلائع الطلاب التظاهرات بقيادة الاتجاه الاسلامي ، فقد كانت اغلب الجامعات في عطلة سوى جامعتنا ومعهد الكليات التكنولوجية (جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا) وكان رئيس الاتحاد الاخ صلاح الدين صاغه ، وحتى نحن كنا في بداية الامتحانات واذكر اننا دعينا لامتحان القرآن الكريم شفوي ، ولكن الروح العامة كانت في حالة فوران ولذلك استمرت التظاهرات واتجهت من الجامعة شمالا وتم في هذا اليوم احراق جمعية ود نميري التعاونية ، واشتدت المواجهة مع الشرطة في هذا اليوم واتسعت المشاركة الشعبية ، وفي عصر ذلك اليوم خاطب امين عام الاتحاد الطلاب بكلية التربية وطلب منهم الهدوء، بينما اعلنت الجامعة تعليق الدراسة وترحيل الطلاب الى ذويهم ، وبدأت سلسلة الملاحقة للطلاب وجاءت القائمة بأربعة من المطلوبين في جامعتنا وهم (الاخ عثمان قادم احمد (نائب والي جنوب كردفان سابقا) ، والاخ محمد حاتم سليمان (نائب والي الخرطوم ونائب رئيس المؤتمر الوطني ولاية الخرطوم) ، والاخ احمد قاسم وهما يسبقاننا بعام دراسي، وشخصي ) وطلب مننا الاختفاء ، وللاسف فإن الاخ قادم اعتقل في نفس اليوم واقتيد من داخل الجامعة من خلال احد اصدقائه ، واشتبهت الشرطة في الاخ احيمر علي احيمر المعتمد بغرب كردفان سابقا وتم اقتياده للقسم الاول على اساس انه شخصي، وهناك ابرز بطاقته واطلق سراحه ، فقد كنا سويا وصلينا المغرب في كلية الاداب وانصرفت بالابواب الخلفية من المكتبة وانتظر هو قليلا بعدي وخرج بالباب الشمالي، وكان في انتظاره البوليس .
وفي يوم 28 مارس 1985م كانت القيادة قد حسمت خيارها بتصعيد العمل الثوري في الاحياء والمناطق من خلال توسيع التظاهرات بالاحياء، ومن خلال مراحل متعددة وتزامن مع ذلك توسيع العمل النقابي المؤثر والمساند للانتفاضة.
بعد اسبوع من التخفي في منطقة العباسية ، توجهت مع الاخ حسن محمد صالح الى كركوج ، لاداء العزاء في والد الاخ محمد حاتم سليمان، وامضينا يومين ، وحدثت معنا مواقف عجيبة ، فقد رفضت المرأة التي تناولنا عندها الفطور والشاي اي مبالغ مالية وقالت (يا اولادي عارفين الحاصل ربنا يحفظكم).
في يوم 5 ابريل 1985م وصلت الى اسرتي في ضواحي حلفا الجديدة دون المرور بالمدينة ، وفي صبيحة 6 ابريل 1985م ، جاء بيان الانحياز للارادة الشعبية .
تلك اشارات لشواهد واحداث كثيرة ورجال ومواقف وبعض من التاريخ .. وكثيرون ممن يدعون البطولات الان كانوا خارج المشهد كليا ، وربما نعود لاضافة اسماء وشواهد .. التحية للاخفياء والانقياء .. والرحمة والغفران للذين رحلوا الى الدار الاخرة.