مكافحة الفساد وملاحقة المفسدين

* لا نريد أن تصبح مسألة الفساد ، شعاراً وموضوعاً يصلح للنشر من وراء السلطة القضائية ، لتتحول المحاكمات إلى وسائط التواصل الإجتماعي ، والصحافة المقروءة ، ويطلق العنان لمن هب ودب للحديث عن فلان وعلان ، دون أن يكون هناك تبين ، والتبين المقصود هو الدفع بقضايا الفساد إلى القضاء ، وإدانة من ثبتت عليه المخالفة ، أو الجريمة ، وتوقيع العقوبات ، حتى لا يمط البعض شفاههم بالقول ، بأن مكافحة الفساد ليست دعوى جادة ، وإنما هى كذر الرماد في العيون .
* وملاحقة المفسدين ، ليست عملية صعبة ، وإنما هى بالنسبة لأولئك الذين يشغلون مناصب عامة تتطلب معرفة ممتلكاتهم قبل الوظيفة ثم بعدها ، والتأكد من مصادر دخلهم ، وعقاراتهم ، وما ورثوه من آبائهم ، ثم من بعد سيتضح عما إذا كان الذين إكتسبوه حلالاً أم حراماً ، وبطرق مشروعة أم أنه من قبيل الثراء الذي حدث بمناسبة الوظيفة ، أو بسببها .
* ومكافحة الفساد ، تتطلب شفافية ، وتشريعات ، وإجراءات ، وقبل ذلك ثقافة متجذرة تخلق لنا مجتمعاً طاهراً ، فلا يقف شرطىٌ لتحصيل جباية نص عليها القانون فيتجاوز ، ولا يطبقها إذا تلقى رشوة ، أو مبلغاً في شكل حافزٍ ، أو هدية .
* كما أن مكافحة الفساد تقتضي أن لا يقبل موظف كلف بمهمة عامة أن يتلقى مبلغاً من المال ، مقابل خدمة من واجبه تقديمها وفقاً للوصف الوظيفي الذي بناء عليه شغل هذا الموظف الوظيفة  .
* والفساد عند ما يستشري ، فإن المجتمع هو المسؤول عنه ، لأنه هو الذي يدفع بالكوادر الفاسدة إلى سدة القيادة ، وبالتالي هذا هو المعنى الذي عنته الآية الكريمة « ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ « سورة الروم الأية «41» .
* والأنظمة الفاسدة ، لا تستثني جانباً فهناك الفساد السياسي ، والفساد المالي ، والفساد الإداري ، والفساد الأخلاقي ، وكلها أنماط لا يمكن عزلها عن بعضها فكلما ضرب الفساد جانباً ، لم يسلم الجانب الآخر ، ويأتي في مقدمة الفساد المؤذي ، والذي ينخر في المجتمع والدولة ، إذا زحف الفساد على الرأي ، ذلك لأن فساد الرأي هو الذي يفسح المجال لفساد الحياة ظاهراً وباطناً ، إذ لكل مظهر من مظاهر الحياة ، فلسفة فكرية وجوهر داخلي ، فإذا صح ، أو جاز التعبير فإن فساد جوهر الأشياء يكمن فيما كان من ورائها من عقائد فاسدة ، وثقافة فجة ، وتوجهات يطغي عليها الزيغ والإنحراف .
* ولكى نستند على مرجعيات أصولية ، ولا ندعي بأننا من الملائكة الأطهار ، أو أننا بمنأى عن الفساد والظلم ، فإن مجتمع النبوة هو المجتمع الذي طبقت فيه الشرائع ، وعوقب المخالفون ، والقتلة ، ومن يسعون في الأرض فساداً ، وليس أدل على تلك النزاهة ، والشفافية ، والعدل ، من قول نبينا المصطفى صلى الله عليه وسلم « ولو أنَّ فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها « .
* وما أعدله من نبى ، وما أطهره من مجتمع ، ذلك الذي كان في قيادته محمد بن عبد الله عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم .
* وهكذا يبتر العضو الفاسد ، وتستأصل شأفة الفاسدين.