حوارات الدستور

يرتبط ذكر الدستور فى ذاكرة العامة بنظام الحكم أكثر من إرتباطه بمجالات أخرى يشملها منهجه فى تنظيم الحياة العامة. وأهم ما يتوخاه الدستور هو التأكد من أن ولاة السلطة سوف يتولونها وفق بنود الدستورلإصلاح الحياة العامة وضمان إستقرار وتقدم الأحوال فيها نحو الأحسن. وقد أصبح يطلق على هذا المعنى مصطلح الحكم الراشد. ومفهوم الحكم الراشد أنه محاولة لمقاربة أفضل ممارسة للسلطة العامة وأفضل إدارة لموارد المجتمع البشرية والمادية وتطوره الإقتصادى والإجتماعى. والحكم ههنا لفظة عامة يُقصد بها السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية فى الدولة كما يُقصد بها الإدارة العامة عسكرية ومدنية وإدارة المؤسسات العامة والخاصة والشركات العامة ومنظمات المجتمع المدنى .وقد حاول بعض أهل التعريب أن يختصوا كلمة حكم بما أتصل بالدولة وعربوا ما سوى ذلك بمصطلح الحوكمة وهو تعريب ردىء يفصل بين المتصل والمتصل به بغير مسوغ ويستخدم أداة صرفة غير مناسبة تتصل بمعنى الأداة «مفعلة» والحكم منهج وليس أداة مثل المعلقة والمكنسة.

الحكم الراشد:
لئن كانت صرعة إستخدام عبارة الحكم الراشد قد بدأ يتسع إستخدامها قبل ثلاثة عقود على المستوى الدولى ، فإن المصطلح فى التراث الإسلامى قديم وله حميمية عالية بسبب إرتباطه بحكم الصحابة المبشرين بالجنة ،على نهج النبوة ، ومقاربة للإمتثال لنهجها. وكلمة الحكم الراشد تستخدم دوليا وكأنها مصطلح خاص بالعالم الثالث. ذلكم أنها تستخدم بصورة نقدية لقياس مستوى تقدم نظام حكم معين بإتجاه التنمية السياسية والإقتصادية وتحقيق الرفاهة فى المجتمع. ولأنه مصطلح موجه للعالم الثالث فى الأساس، فإن معايير القياس فيه غربية أى أنها منتزعة من نظام القيم الغربى. ولا شك أن نظام القيم السياسية والعامة الغربى هو نظام إنسانى يشتمل على قدر كبير من القيم الصالحة، بيد أن الصلاح والفساد يبقى نسبيا فى كثير من التفاصيل عند المقارنة بين الثقافات .فما يعتبر حرية ضرورية فى ثقافة ما قد يعتبر إنحرافا أخلاقيا خطيرا فى ثقافة أخرى، لذلك مهما كان منهج الحكم الراشد مرضيا فلابد من تأصيله فى الثقافة الوطنية للمجتمع قبل إعتماده نظاما لترشيد الحكم الدستورى بالبلاد. ولاشك أنه بعد تجاربنا قليلة العائدة والحصيلة فى مجال نظام الحكم ، فإنه يجدينا أن ندرك التحولات المهمة فى الحياة المدنية والأحوال الاقليمية والدولية تدعو لإعتماد نظام الحكم الراشد الذى يحقق أوسع مشاركة للمجتمع المدنى فى إدارة شؤون الحكم والاشراف والمراقبة الفاعلة على المكلفين فى شتى مستويات الحكم. فطبيعة الأوضاع ومستوى التعليم والتكنولوجيا لاسيما فى مجالات الاتصال والتواصل التى جعلت تفويض الأمر فى غالبه لنخبة مختارة للحكم فى الماضى لم تعد هى ذات الطبيعة ولا ذات الأوضاع، ولزم تصميم نظام الحكم لجعل التخويل فيه هو الأقل ثم التفويض تحت شفافية عالية ثم أداء الأعمال دون وسطاء مما يتيح مشاركة واسعة للجمهور صاحب الأمر الأصلى. فالسلطة فى الأصل هى سلطة المجتمع المدنى يمنحها تخويلا أو تفويضا أو يباشرها بنفسه إن شاء. وقد صارت مباشرة أنماط من السلطة ممكنة دون وسطاء ، خاصة كثير من سلطات الخدمة العامة . وذلكم من خلال حوسبة الخدمات والدفع وإعمال نظام المطابقة الإليكترونية. وتوسيع إنخراط العامة فى ممارسة السلطة العامة أصبح أمرا ضروريا بعد إتساع القناعة أنه لن تحدث تنمية واسعة إلا بمشاركة شعبية واسعة فى إحداثها. فحظ البعد الانسانى والثقافى والموارد المحلية قد إتسع كثيرا بعد تبنى مفهوم التنمية المستدامة. ومن أهم ميزات التنمية المستدامة أنها أصيلة وأنها واسعة النطاق وأنها متوازنة غير مختلة ومستقلة غير تابعة. كذلكم فإن الحاجة تمس لإعتماد نظام الحكم الراشد لتحقيق تشابه وتوافق مع البيئة الإقليمية والدولية. فإن إدارة الأعمال فى عالم معولم تتسع فيه الإعتمادية المتبادلة يقتضى قدرا من التشابه وقدرة على التشبيك الإقليمى والدولى.
تعريفات متعددة :
ومنهج الحكم الراشد له تعريفات متعددة أولها تعريف البنك الدولى الذى يتخذه معيارا للحكم على الأداء السياسى للدول ولتحديد الحظوة لديه فى نيل دعمه وإسناده. وهو تعريف منحاز بطبيعة البنك للجانب الإقتصادى يقول التعريف «الحكم الراشد هو أسلوب إدارة الموارد الإقتصادية والإجتماعية لإحداث التنمية لذلك فإن البنك يرغب فى تحديد نظام الحكم فى البلدان التى يتعامل معها لأنه يرى أن ممارسة السلطة السياسية محددة للتنمية الإقتصادية وإن النظام الذى يصفه البنك الدولى بأنه راشد هو المكون الرئيس لأية سياسة إقتصادية ناجحة ولكن البنك يقف حائرا أمام التجربة الأكثر نجاحا من حيث تسارع التنمية وهى التجربة الصينية ولا يحير جوابا ولا تبريرا لتسارع التنمية فى الصين حيث البون شاسع بين وصفته وواقع العلاقات السياسية والإدارية فى الصين. يحدث ذلك لأن المؤسسات الغربية كافة لا تؤمن بأهمية تأصيل المفاهيم العامة فى ثقافات المجتمعات المتعددة دون ما حاجة لإحداث تغييرات جوهرية فى المفهوم لكن دون إفتراض أن ما صلح فى المغرب يمكن أن يصلح فى المشرق. وعجيب أن لا يدرك هؤلاء هذا الأمر البدهى بعد أن سادت ثقافة المواصفات وأصبح أهل الصناعة يدركون أهمية إجراء تعديلات فى منتجاتهم لتناسب مناخات وبيئات وثقافات متنوعة ومختلفة. ولكنها عقلية الاستعلاء الثقافى الذى يرى أن أنموذجه التنموى هو نهاية التاريخ. ولئن كان لنا ان نختار بين تعريفين فإن تعريف برنامج الأمم المتحدة الإنمائى أفضل حالا رغم أنه هو الآخر يجعل الرؤية الغربية بحذافيرها هى المعيار لتحديد الدول الأولى بالرعاية. يقول تعريف البرنامج «الحكم الراشد هو ممارسة السلطات السياسية والإقتصادية والإدارية لتحسين أوضاع المجتمع على كافة المستويات وتشمل المؤسسات والعمليات والآليات التى يقوم المواطنون من خلالها بالتعبير عن مصالحهم والسعى إليها وممارسة حقوقهم القانونية والوفاء بالتزاماتهم ومعالجة نزاعاتهم» ولاشك انه لا مشاحة حول هذه المعانى ولكن التفاصيل تأتى قياسا على مقاس القيم الغربية التى تعلى أكثر من الفردانية فوق الروح الجمعية، وتعلى من القيم المادية فوق القيم الثقافية والمعنوية. وهو أمر بالإمكان معالجته من خلال اجتراح طريق وطنى لمنهج الحكم الراشد ، يجرى التعديلات التى تجعله مناسبا للثقافة الوطنية فمثلما لا نرى بأسا من تعديل الملابس الجاهزة لتناسب قوام هذا الشخص أو الشخص الآخر فلم لا يجمل تعديل المناهج لتناسب الثقافات ومنظومات القيم المتنوعة.
وأول مبادىء الحكم الراشد عند المؤسسات الدولية هو مبدأ المشاركة .والمعنية هى مشاركة المجتمع فى إدارة شأنه العام. وهو مبدأ مفتاحى يقوم على أن الحكم تعاقد بين الرسميين والمجتمع المدنى الراغب فى الاستقرار والتنمية . والتأصيل الإسلامى لهذا المبدأ أن الأمر يعدو معنى المشاركة ويتجاوزه إلى معنى الملكية العامة للشأن العام . فالأمر العام هو ملكية على الشيوع بين جميع المواطنين. فالقرآن يقرر «وأمرهم شورى بينهم» وكلمة أمرهم التى قد يتجاهلها المفسرون أهم من كونه شورى بينهم لأنها تقرر ملكية الأمر للناس وليس للأمراء. وإستخدام كلمة أمير نفسها والتى هى اسم مفعول وليس استخدام آمر وهو اسم فاعل تنبيك أن الأمير مفعول به من حيث أنه مؤمر من الجماعة عليها بشروطها ، وأهم شروطها الشورى الملزمة والمعنى أنه لا يحق له تصرف لا ترضى به الجماعة صاحبة الأمر. ونحن نمارس هذا على مستوى الجمعيات التعاونية والأهلية. فعند إختيارنا أمير للجمعية لا نقبل منه أن يقرر بمعزل عن ما تراه الجمعية محققا لمصالحها ومنافعها ولكننا ننسى هذا عند إتساع الأمر، فنقبل من الأمراء والرؤساء ان يستبدوا بالأمر ثم يساورهم الوهم أن الأمر أمرهم وأن الرأى رأيهم ، وأنهم لا يرون الشعب إلا ما يرون، وما يرون هو تعريف المصلحة والمنفعة الحقة، لا ما يراه السواد الأعظم من الناس محققا لمصلحته ومنفعته. وإذا كان الأمر أصالة هو أمر العامة فلابد أن يتأسس الدستور على تأكيد ذلك، وتبطل كل التشريعات التى تخالف هذا المفهوم. ولا بد عند سن أيما تشريع أن يتوخى فيه توسيع الحريات والتعبير وحق الحصول على المعلومات وطرائق توسيع الفعل العام والمشاركة العامة. ولا تضيق الحريات ولا المشاركة إلا إستثناء مضيقا لسد الثغرات أو درء الأفعال الجانحة والتمردات .ولابد للدستور ان ينظم بغير تضييق المنظمات والجمعيات والأحزاب التى تجعل المشاركة العامة ممكنة وفاعلة. وتؤهل المجتمع لتولى غالب شؤونه بنفسه وتؤهله رقيبا فاعلا على كل صاحب سلطة مفوضة من المجتمع. ولاشك أن فاعلية المجتمع فى تولى شأنه لن تتحقق بإحتكار المعلومات للدوائر الرسمية لذلك فإن الحق فى الحصول على المعلومات يصبح حقا أساسيا لا يمكن الإنتقاص منه. فأعمال الحكم والإدارة جميعا لابد أن تكون منظورة ومشاهدة ومعلومة للكافة ولا يحجب ما يحجب منها إلا بقانون. وهو إذ يحجب حين يحجب عن العامة لمصلحة متعينة أو درء مفسدة متحققة لا يحجب عن الكافة ، فلابد من إعتماد مبدأ تكابح السلطات بحيث تكون كل سلطة محددة لحدود السلطة الأخرى ومراقبة لها. فتكون كل سلطة مكفوفة عن التجاوز والطغيان. فحتى أدق أسرار القوات المسلحة لابد أن تعرض على السلطة التشريعية فى صعيد من صعدها أو لجنة من لجانها وحتى أهم أسرار المخابرات العامة لابد أن تعرض على صعيد من صعد السلطة القضائية أو لجنة من لجانها.
الشفافية مفتاح الإصلاح :
الشفافية كلمة أخرى سادت مع مصطلح الحكم الراشد ومعنى الكلمة فى اللسان العربى مشتق من الستر الرقيق الذى لا يخفى تماما ما وراءه ويجاور معنى كلمة شفافية معان مثل كلمة بيان وإفصاح وعلانية وأعمهن كلمة بيان . فميزة ماهو شفاف أنه مبين غير غامض ولا معتم. والبيان هو صفة جوهرية للإنسان وهى صفة متزامنة مع إنسانيته متطابقة معها ، وبغير البيان لا يكون الإنسان إنساناً ، وقد قال سبحانه من خلق «خلق الإنسان علمه البيان» والإفصاح من فصيح، وهى أن يكون الإنسان قادرا على التعبير عن المعنى والتبيين له. ووسائله أهمها اللسان ولكن الإنسان يفصح بكل جوارحه بل بكل حركة جسده وسكونه. وقد صار للغة الجسد قواميس توضح معانيها فى كل ثقافة، وفى الثقافة الإنسانية جمعاء. والعلانية هى الجهر وهو خلاف السر والإخفاء. والإفصاح إتخذ معنى إصطلاحيا فيما يلى كل المعلومات التى تتصل بالشأن المالى المحاسبى بينما اتخذت العلانية معنى عدم حجب المعلومات والإفصاح بها ، وعدم كتمها إلا لسبب يقره الشرع أو القانون لاسيما ما كانت مؤثرة فى مصلحة خاصة أو عامة. والشفافية إصطلاحا هى واجب الحكومات والمؤسسات والشركات العامة بتوفير المعلومات والبيانات المتعلقة بنشاطها وجعلها فى ميسور الجمهور. وإتاحة الفرص لمن يريد الإطلاع عليها ممن له مصلحة عامة أو خاصة. ولايجوز حجب المعلومات إلاما يضير أو يضر بالمصلحة العامة أو مصلحة المؤسسة أو الشركة وفاقا للقانون أو النظام الأساس.
والشفافية والإفصاح والعلانية من مبادىء ما عرف مؤخراً بالحكم الراشد وأحيانا بالحوكمة وهى مصطلحات بدأت بالنقاشات حول البيروسترويكا والجلاسنوست فى حوار ومبادرات قرباتشوف ، ثم إنتقلت النقاشات للبنك الدولى حول تنسيب الديموقراطية لموضوع التنمية المستدامة .ومدار الشفافية هى كلمة الصدق والوضوح فى التعاملات سواء أكانت خاصة أو عامة متصلة بالحقوق والأموال أو غير متصلة. والصدق هى القيمة الكبرى فى سلم القيم الاسلامية، صدق مع الله بغير شرك ولارياء وصدق مع الناس بغير خديعة أو غبن فالصدق هو ثمرة الإيمان والضمير اليقظان فى تعاملاته مع الخلق والخالق. والشفافية ليست هى الشهادة بالحق فحسب بل والحرص على إعلام صاحب الحق بحقه فهى القوامة بالقسط والقيام على الشىء بالإجتهاد فى شأنه حتى يؤدى «يا أيها الناس كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين أو الأقربين» ولو قام الناس بالقسط ما كانت رشوة ولا محسوبية ولا إستغلال. والحاجة لما يسمى فى هذا الزمان شفافية هى إعتبار شرعى فى كل الحقوق، فالبيان والإفصاح ضرورى فى كل التعاملات والتعاقدات. وكل عقد شابه غش أو غرر فهو باطل إن كان عقد زواج أو تجارة أو سياسة. فالغرر المفضى للغبن مبطل لكل معاملة فكأنها ما أنعقدت. والمجتمع المسلم الذى هو مجتمع التواصى على الحق ولايمكنه أن يتحقق بمعنى التواصى إلا بالإحاطة بالحقائق والحقوق التى يلزم التواصى بحفظها ، لذلك إن كان ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وجب إطلاع العامة على سائر الحقوق سواء أكانت عامة أو ما يؤثر من المعلومات على حقوق خاصة . ولا تحجب المعلومات والبيانات والحقائق إلا وفاقا لمبدأ لا ضرر ولا ضرار . وثمرة الشفافية والتواصى هى الإستقامة ودرء الفساد وحصره وإبطاله. وذلك من خلال تحقيق الرقابة العامة وتمكين أولى الأمر من المحاسبة والرقابة والمحاسبة العامة تحفز الرقابة والمحاسبة الذاتية يصدق ذلك فى الحكومات والادارات والمؤسسات والشركات فلا أحد يفعل ما يعيب على المكشوف.
وثمة ثمار متعددة للشفافية أولها البراءة من النفاق بالوضوح فالظاهر الواضح والباطن متطابقان وثانيها تحول الاستقامة الخلق بإتباع التوجيه التعليم الصحيح ثالثها الحس بالمسؤولية بسبب الرقابة العامة والخاصة والإحساس بالمساءلة العامة ومساءلة الضمير ورابعها القيام بالقسط بإحترام الحقوق جميعا وخامسها النزاهة وإحترام الذات والتنائى عن الشبهات وتبرز أهمية الكتابة والإذاعة والنشر والإشهار فى إثبات الحقوق الخاصة والعامة بحسب الحاجة تعلما من قوله تعالى «ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله» فلابد من كتابة الحقوق وتعريف أصحابها بها وإشهار الحقوق العامة ووضع إعلان بكيفية تحصيلها وكيفية التظلم حال الحؤول دونها. وتبدو لولا تخفى ضرورة تحرى مبدأ الإفصاح فى كل المعلومات المتصلة بالأداء الحكومى وأداء المؤسسات والشركات وعدم إخفاء أي ما معلومة أو اللجوء إلى تلبيسها وتدليسها لجعل معناها ملتبسا غامضا . فتلك هى أبواب الغش والغبن والفساد. وتمس الحاجة لذلك أكثر فى المعلومات المالية والمحاسبية وكتمان بعضها كتمان للشهادة ومخالفة لقوله تعالى «ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه». وعندما تكون المعلومات الحكومية مفتوحة للجمهوروهناك فرصة لمراجعة وتدقيق أعمال الحكومة ونظامها المالي، يتسع مجال للحوار ومناقشة القوانين والتعليمات والقرارات حينئذ يعتبر نظام الحكم شفافاً، ويتعسر إساءة استخدام السلطة لمصلحة المتحملين لها.
والشفافية ليست من طرف واحد. فإذا علم الناس بما يجري في الحكومة على مختلف مستوياتها، سينتج عن ذلك اسئلة واحتجاجات واقتراحات تُطرح من قبل الاعلام والجماهير. ويمكن لمن يهتم بقضية معينة محاولة التأثير على القرارات الخاصة بهذه القضية فالشفافية تخلق المشاركة وقد فصل الفقه الاسلامى تفصيلا دقيقا فى مسائل الافصاح فى البيوع واالعقود لتبرئتها من الجهالة والتجهيل والغرر والغش حتى أن الغزالى إشترط شروطا أربعة لصحة بيع السلعة أو التعاقد بشأنها أولها أن لايصفها بما ليست عليه وأن لا يسكت عن عيبها والا يطفف فى وزنها ومقدارها وألا يكتم من سعرها ما لو علمه المتعاقد لأنصرف عنها ومدار الشفافية حول إبتداع كافة الوسائل لتوفير المعلومات لذوى المصلحة ومركز هذه العملية هو الإفصاح عن جميع المعلومات المتعلقة بتقديم خدمة أو تصنيع سلعة أو إجراء تعاقد أو إقامة نشاط وجعل حجب المعلومات هو الإستثناء الذى لا يصار إليه إلا لدفع ضرر أو إزالة إضرار بالمستفيد ولئن حرم الله الغش فى البيوع فقد حرم الغش فى سائر التعاملات والتعاقدات على كل صاحب رعية او مسؤولية وهل من مسؤولية أكبر من مسؤولية من ولى الأمر عامه أو من وقف على ثغرة من الخدمة العامة والمسؤولية العامة والشفافية فى أعمال الدولة والمؤسسات والشركات تعنى النصح لعامة المسلمين وأئمتهم وتعنى التعهد بتوفير أصح المعلومات وأدقها وعدم حجبها عن العامة أو الرؤساء والعمل ضمن الأخلاقية والاستراتيجية المعلنة للدولة ، وتبنى اجراءات واضحة وسهلة لأداء الأعمال ، وتعريف الكافة بها. ومنع تضارب المصالح ، واعتماد معايير لقياس مستوى إنجاز الأعمال والخدمات. ولا شك أنه ما ترياق للفساد مثل أن يكون المجتمع كله محيطا بشأنه حريصا عليه رقيب.
نواصل