يوم عاشوراء أحكام فقهية وفوائد ايمانية

يوم عاشوراء من أعظم أيام التاريخ، فقد هلك فيه الرمز الأكبر للظلم والطغيان في الأرض على مر العصور، وهو فرعون حاكم مصر في عهد موسى عليه السلام،وقد سمي يوم العاشر من المحرم باسم عاشوراء، تعظيما له، وهو اسم إسلامي خالص لم تعرفه العرب في الجاهلية، مع أنهم ربما ورثوا تعظيمه من ديانة إبراهيم عليه السلام.
وقد أمر الله عز وجل نبيه موسى عليه السلام بأن يذكر بني إسرائيل بنعم الله عليهم، وأعظمها إهلاك فرعون فقال تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ(5)) سورة إبراهيم، قال القرطبي في تفسيره (أي بما أنعم الله عليهم من النجاة من فرعون ومن التيه إلى سائر النعم ).
وقد شاءت إرادة الله أن يكون استشهاد الحسين رضي الله عنه في موقعة كربلاء الشهيرة في شهر الله المحرم، بل في اليوم العاشر منه أيضا، ليكون للشيعة -الذين يظنون أنفسهم حملة راية الحسين دون بقية المسلمين- ضلالات ما أنزل الله بها من سلطان .
فضل عاشوراء
في الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سئل عن يوم عاشوراء فقال: (ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صام يوما، يتحرى فضله على الأيام إلا هذا اليوم -يعني عاشوراء- وهذا الشهر -يعني رمضان) .وجاء في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (كان عاشوراء يوما تصومه قريش في الجاهلية، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يصومه) ، ولما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، ورأى صيام أهل الكتاب له، صامه، وأمر الناس بصيامه أيضا،ففي الصحيحين عن ابن عباس قال: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، فوجد اليهود صياما يوم عاشوراء، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما هذا اليوم الذي تصومونه؟» قالوا: هذا يوم عظيم، أنجى الله فيه موسى وقومه، وأغرق فرعون وقومه، فصامه موسى شكرا لله، فنحن نصومه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(فنحن أحق وأولى بموسى منكم)، فصامه، وأمر بصيامه ، وكان اهتمام الصحابة به إلى حد أنهم كانوا يصوِّمون أطفالهم، فقد جاء في الصحيحين عن الربيع بنت معوذ قالت:(أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار التي حول المدينة:(من كان أصبح صائما فليتم صومه، ومن كان أصبح مفطرا فليتم بقية يومه)، فكنا بعد ذلك نصومه ونصوِّم صبياننا الصغار منهم، ونذهب إلى المسجد فنجعل لهم اللعبة من العهن، فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناه إياها، حتى يكون عند الإفطار»، وفي رواية: «فإذا سألونا الطعام أعطيناهم اللعبة تلهيهم حتى يتموا صومهم».
ترك النبي صلى الله عليه وسلم الأمر بصيام عاشوراء بعد أن فرض عليه رمضان، وترك التأكيد فيه، ولم يترك استحبابه، ففي الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: (صام النبي صلى الله عليه وسلم عاشوراء وأمر بصيامه، فلما فرض رمضان ترك ذلك), وأكثر العلماء على استحباب صيام يوم عاشوراء، لما جاء في صحيح مسلم عن أبي قتادة: (أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن صيام يوم عاشوراء، فقال: (أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله)،
عزم النبي صلى الله عليه وسلم على صيام يوم آخر مع عاشوراء مخالفة لأهل الكتاب، ففي صحيح مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: (حين صام النبي صلى الله عليه وسلم يوم عاشوراء وأمر بصيامه قالوا: (يا رسول الله: إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فإذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا اليوم التاسع)، قال: فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم).ولذلك فإن الجمع في الصيام بين يومي التاسع والعاشر مستحب، وهو رأي كثير من السلف . ويجوز صيام عاشوراء للمسافر، قال ابن رجب (في لطائف المعارف) وكان طائفة من السلف يصومون عاشوراء في السفر، منهم ابن عباس وأبو إسحاق السبيعي والزهري، وقال: رمضان له عدة من أيام أخر، وعاشوراء يفوت، ونص أحمد على أنه يصام عاشوراء في السفر، وروى عبد الرزاق: كان النبي صلى الله عليه وسلم بقُرَيد -وهو موضع قرب مكة- فآتاه رجل فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (أطعمت اليوم شيئا ليوم عاشوراء)، قال: لا، إلا أني شربت ماء، قال: (فلا تطعم شيئا حتى تغرب الشمس، وأمر من وراءك أن يصوموا هذا اليوم)، والحديث أخرجه عبد الرزاق والطبراني في الكبير.