الأبعاد تذوب

٭ هناك مأثورة تقول إذا أفلس التاجر انقلب على دفاتره يراجعها عله يجد ديوناً منسية.. هذا حال التاجر عندما يطرق الفلس أبوابه.
٭ والذي يحس بهرولة الزمن نحو شبابه أو عواطفه ينكب على صور الشباب وذكريات الشباب يتأملها.. الزوج يتأمل صورة الخطوبة والزواج والموظف الكبير يتأمل صورة التخريج واناقته داخل الروب.. هكذا النفس البشرية جبلت على التأمل والرجعة إلى الماضي وكل جيل يتغنى بعبارة يا حليل أيام زمان.
٭ إلا ان الذي يتعاطى الكتابة يراجع ما كتب بمشاعر مختلفة ومتضاربة وأحياناً يحس بنوع من الاحراج إذا عالج أمراً أو قضية في زمان مضى بشيء من السطحية أو الهشاشة.. أو بهجة احساس تجاه قضية ما أو موضوع مضى عليهما زمن ولم تتغير مشاعره تجاههما.
٭ طافت بذهني هذه التداعيات عندما أخذتني أبيات شعر صغيرة سمعتها من الإذاعة البريطانية عند منتصف الليل ورحت أتأمل هذه الأبيات حتى أصبح الصباح وأنا أردد الحزن رفيقي:
العالم يعشب بالحزن الأسمر
والغربة تؤرق والأبعاد تذوب
الفرح والحزن كلمتان وقفتا أمامي طوال الليلة حاورتهما ناقشتهما.. الفرح عندما يطوف بحياتي احتفي به وأقف عنده واهش في وجهه واستحلفه أن يبقى معي طويلاً وأن يحادثني وينثر الندى في طرقات مشاعري وغرف وجداني فهو دائماً ضيف عابر عندي، عكس الحزن الذي هو وسادتي ولحافي ودثاري وهو المقيم معي.
٭ قرائي اسمحوا لي فأنا لست نكدية بالمزاج ولا محترفة أحزان ولكني اتحسس جذورها الغائصة في أعماق زمني وأجدها دائماً قوية ومتشعبة.. أحزاني الخاصة وأحزاني العامة.
٭ أحزاني الخاصة انكفيء عليها واحتضنها في حنان فهي أحزان موجعة وأليمة ولكني أريدها ولا أريد منها خلاصاً.. أما أحزاني العامة فهي أحزانكم جميعاً وأنا أفضل التحديق فيها وأحاورها وأبحث عن أسبابها فهي أحزان ايجابية ممتلئة بالأمل والرفض والتطلع إلى صنع زمن سوداني أفضل.
٭ كل هذا حدث لي بفعل أبيات شعر تتحدث عن الحزن والغربة وذوبان الأبعاد.. ما أعظم الشعر.!. ساعتها تيقنت ان مشاعري تجاه الشعر لم يفارقها الشباب كما فارق صاحبتها.
٭ تذكرت حكاية تقول ان أحد الملوك طلب من شاعره أن يصف له الشعر فطلب الشاعر مهلة يوم ولما انتهي اليوم طلب من الملك يومين آخرين إلى أن بلغت المدة أسبوعاً بعدها تعجب الملك وسأل الشاعر عن وجه الصعوبة في هذا الأمر وكانت اجابة الشاعر بأنه كلما فكر في هذا الأمر زادت كثافة الغموض.
هذا مع تحياتي وشكري