جانب من تاريخ الملاريا في دنقلا القديمة!هل حارب البعوض السوداني ضد جيش محمد علي باشا؟!

ترجمة :بدر الدين حامد الهاشمي
هذه ترجمة لمقال صغير، يستعرض المراجع الباكرة التي أتت على ذِكر الملاريا في المناطق الواقعة بالقرب من دنقلا. ونشر المقال في العدد التاسع والعشرين من مجلة «السودان في رسائل ومدونات» الصادرة العام 1948م.
وكاتب المقال هو الدكتور «ديفيد جيمس لويس»، الذي عمل خبيراً للحشرات في قسم الأبحاث الزراعية بين عامي 1935 و1939م، ثم في قسم الحشرات الطبية بين عامي 1940 و1945م.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
انتشرت قبل أعوام قليلة أهم بَعُوضَة أفريقية ناقلة لطفيل الملاريا تُسمى علمياً «الأنوفلية الغامبية»من منطقة خزان أسوان إلى وسط مصر، محدثة مرض الملاريا بصورة فاشية وخيمة، وتم القضاء لاحقا على ذلك الطفيل في كل أرجاء البلاد. وفي أوائل العام 1946م تم القضاء على الملاريا في منطقة بالسودان تقع بين صرص «جنوب وادي حلفا» وفرص «على الحدود السودانية – المصرية». ولا يعرف في الوقت الراهن «أي العام 1948م» إن كانت هنالك ملاريا في شمال فركة، الواقعة في أرض السكوت، على بعد نحو 120 كلم من فرص.
وبالنظر إلى التغيرات الواسعة والسريعة في نطاق الأماكن التي تنتشر فيها هذه البَعُوضَة المدارية المهمة، يحق للمرء أن يسأل عن تاريخ هذه الحشرة الطبية في تلك المناطق، وهل كانت موجودة من قديم، أم أنها انتشرت في السنوات الحالية قادمة من الجنوب. ويمكن التحقق من تاريخ وجودها من فحص السجلات القديمة الخاصة بهذه الحشرة، وسجلات مرض الملاريا الذي يسببه طفيل «الأنوفلية الغامبية»، والذي تعمل تلك البعوضة كناقل بيولوجي محلي له، إذ أن الأنواع الأخرى من البعوض نادرة أو معدومة في هذه المنطقة.
وبدراسة ما سُجل في الأدبيات العلمية والطبية، نجد أن الملاريا قد عُرفت في غالب سنوات القرن الحالي «أي القرن العشرين»، على الأقل في بعض الأجزاء الواقعة على ضفتي نهر النيل بين مروي وفرص.
وكان الرحالة السويسري «بيركهاردت» قد عبر تلك المنطقة في العام 1813م، وكتب عن حمى منتشرة فيها بصورة وبائية في موسم الفيضان «لا يشك الخبراء الآن في أنها حمى الملاريا»، ولكنها لا تحدث سنوياً. وكان ذلك الوباء قاتلا في كثير من الحالات، وشاع ظهوره في منطقة دنقلا. وفي تلك الأيام ظهرت الملاريا في المنطقة بصورة فُرَادِيّة وليست وبائية شائعة. وكان الرحالة «بيركهاردت» يحرص على الابتعاد عن برك المياه الراكدة في «وادي سونك» في الليل، نسبة للعدد الضخم من الناموس العاض المزعج. وربما تكون تلك الحشرة هي «الأنوفلية الغامبية» نفسها، إذ أن الأنواع الأخرى من البعوض، قلما تكون مزعجة.
وكتب القسيس البريطاني جورج وادنقتون «1793 – 1824م»، الذي رافق حملة محمد علي باشا لفتح السودان وسجل مذكراته عن زيارته للسودان وإثيوبيا، أنه في يوم 16 نوفمبر 1820م وجد أن البعوض كان نَشْطًا جدا، لدرجة أنه آثر الاختباء تحت ناموسيته المصنوعة من الشاش طوال اليوم تقريبا. وعندما بلغ الرجل منطقة «أرقو»، كتب يقول بأن الليلتين السابقتين كانتا أبرد من المعتاد، ولكن ذلك لم يمنع البعوض من النشاط المفرط فيهما. ووصف ذلك البعوض بأنه نوع خاص بتلك المنطقة، فهو أصغر حجما وأقل طنينا من غيره من الأنواع الأخرى. ويشي ذلك الوصف بأن الرحالة يتحدث عن «الأنوفلية الغامبية»، إذ أن الحشرة الصغيرة المسماة «الفاصدة»، لا يكاد يسمع لها حِسّاً، ولا بد أن الرحالة كان قد صادفها من قبل في مصر مع أنواع أخرى من الحشرات.
وفي يوم 15 ديسمبر من العام 1820م كتب القسيس الرحالة من مدينة مروي، بأن تقدم الجيش نحو الجنوب كان بطيئاً، إذ أن كثيرا من الجنود لم يكونوا في صحة جيدة، فمعظمهم كان مصابا بحميات متقطعة أو بالزُحار «الدسنوتاريا». ولم يكن لديهم ما يكفي من العقار المستخرج من لحاء أحد الأشجار.
ووصل «وادنقتون» إلى دنقلا في رحلة العودة يوم 2 يناير، وكتب عن انخفاض مستوى النيل، وآثار ذلك بادية حتى على بعد ميلين من الشاطئ. وكانت هنالك الكثير من الحفر الكبيرة التي أخذ منها الأهالي الطين للبناء في المدينة، وهي الآن مليئة بالمياه الراكدة. وفي جوار تلك البرك، توجد أحراش قد تكون هي مصدر تلك الحمى المتقطعة التي تحدث بعد انتهاء الفيضان. لذا لم نعجب من إصابة الأهالي «وجنودنا أيضا» بالمرض. وقدمنا لواحد من هؤلاء الأهالي ذلك الدواء المستخلص من اللحاء لعلاجه.
وقبل أن يعرف الطب طبيعة مرض الملاريا وطريقة انتقاله، كان معروفا أن المرض مرتبط كثيرا بالمياه الراكدة.
وفي الخامس من يناير 1820، بلغ القسيس «وادنقتون» جزيرة أرقو، وكتب أن جانبها الغربي «كثير الرمال، وبه كثير من الأراضي المنخفضة، والتي امتلأت الآن بالمياه الراكدة والأسماك والطيور المائية. ويقول الكثيرون أن هذا الجزء من الجزيرة عادة ما يكون غير صحي في هذا الوقت من السنة». وكتب في يوم التاسع من يناير أنهم واصلوا في تناول جرعات «اللحاء». وأبلغنا الأهالي بأننا لو بقينا في تلك المنطقة لثلاثة أو أربعة إضافية فسنصاب حتما بالحمى، التي يقاسون منها هم أنفسهم.
أما الرحالة الفرنسي كايو «1787 – 1869م» فقد كان قد تأخر فيما وراء منطقة أرقو بسبب الحمى في ديسمبر 1821م، وكتب في مذكراته عن حميات خطيرة في مناطق بربر «جنوب أبو حمد» حدثت عقب موسم الأمطار.
وزار الرحالة «جورج هوسكن» هذه المنطقة في العام 1833م، أن الملاريا لم تكن منتشرة بصورة واسعة في أبي حمد في خلال فترة الفيضان. غير أنه وصف دنقلا بأنه مكان غير صحي في موسم الأمطار. أما في منطقة «صُلِب»، إلى الشمال من تلك المنطقة، فقد نام الرجل في العراء دون خشية من رطوبة أو برد. وكان هوسكن قد زار كردفان أيضاً وذكر أن بها داء البرداء والحمى المتقطعة.
وزار الفرنسيان «دو كادالفين» و»دوبروفري»، منطقة دنقلا في العام 1830م، وسجلا في مذكراتهما أن الحميات الخطيرة التي لاحظاها في سنار وكردفان عقب هطول الأمطار لم تكن موجودة في دنقلا بنفس الحدة، أو الإزمان. وأتى الفرنسيان على ذكر البعوض في المنطقة، ونوع من المراهم يستخدمه الأهالي لطرده.
وأشار الجغرافي الفرنسي «أونيسيم ريكلوس» في حوالي العام 1885م، ضمن ما كتبه عن منطقة النوبة، إلى المنطقة الواقعة تحت ملتقى نهر «أتبرا»، ووصفها بأنها منطقة غير صحية، خاصة عقب الفيضان، بسبب البرك الراكدة المياه. وتكثر في المنطقة الحميات القاتلة. غير أنه ذكر أن الأهالي يعيشون في مناطق بعيدة عن تلك البرك والأحراش. وذكر «ريكلوس» أيضاً، أنه توجد قنوات متفرعة من النيل عادة ما تركد فيها المياه مسببة أجواءً خانقة خطيرة.