علاقة الإسلاميين بانتفاضة السادس من أبريل 1985م

حسن محمد صالح

لم أتمكن من متابعة الجدل الكثيف الذي دار حول علاقة الاتجاه الإسلامي في السودان بانتفاضة السادس من ابريل لعام 1985م ولكن ما استطعت أن أستخلصه من بعض أحاديث المجالس وما يقوله أدعياء النضال بأن الإسلاميين لم يكن لهم دور في الانتفاضة وأنهم كانوا سدنة لنظام نميري الذي انقلب عليهم وأدخلهم السجون والانتفاضة هي التي أنقذتهم من حبل المشنقة الذي كان ينتظرهم بعودة الرئيس نميري من رحلته العلاجية للولايات المتحدة الأمريكية ليصادق علي اعدام ما يربو علي الخمسين من قيادات الحركة الإسلامية كانوا في السجون وستكون محاكماتهم عاجلة وناجزة لا تتجاوز ساعة من الزمن وينتهي الأمر .
وأقول ابتداء ان الجدل حول الانتفاضة ومن قام بها ليس بالجديد وقد بدأ من أول يوم في الانتفاضة واستمر لوقت ليس بالقصير من الزمن، وأذكر أنني كنت أستقل لوري لشمال كردفان وتجادل المسافرون حول الانتفاضة ومن فجرها هل هم الشيوعيون أعداء نميري التقليديون أم البعثيون الذين كانوا يكتبون علي الحائط في جنح الظلام « يسقط نظام نميري» أم هم الشماسة الذين تقدموا لاحراق مؤسسة ود نميري التعاونية «تعبيرا عن رفضهم لحكم النميري» وانتقاما من تلك المؤسسة التي كان ينظر اليها من قبل البعض بأنها رمز للفساد ومحاباة نميري لأهله عندما أطلق عليها اسم نميري الذي جر عليها غضب وسخط كثير من القطاعات التي كانت تشعر بالحرمان، ومن بينهم الشماسة «أول ضحايا الحرب والجفاف والتصحر الذي ضرب السودان خلال الثمانينيات من القرن العشرين « ، وادي لافرازات سالبة من اهمها نزوح مواطني الريف الي المدن وعلي رأسها العاصمة القومية التي استقبلت الأعداد الأكبر من هاجري ديارهم بسبب الجوع والجفاف وانعدام الأمطار .كان سائق اللوري يستمع للأحاديث في واحدة من محطات التوقف علي الطريق وقال للناس بطريقة سودانية عفوية من غير تكلف أو معرفة بالمتحاورين : والله أنا عاجبني الأخوان المسلمين ديل أول ما نميري سجنهم بالراحة سقطوا حكومتو .
ولعل الجدل الكثيف والأشبه بمغالطة التاريخ والوقائع التي ما زال من شاركوا فيها أحياء ومتقدي الذاكرة ولهم شهود ووثائق وشواهد تؤكد صدقهم وتدل علي أفعالهم في ذلك الزمان . لقد انحصر الجدل ومغالطة التاريخ «في جامعة أم درمان الإسلامية واتحاد طلابها» الذي كان يقوده التضامن الإسلامي وهو تحالف للطلاب المستقلين وطلاب حزب الأمة والاتحادي الديمقراطي ، وكان طلاب الاتجاه الإسلامي في المعارضة الطلابية وظل الاتجاه الإسلامي علي مدي سنوات طويلة هو الذي يسيطر علي اتحاد الطلاب بالجامعة وخلال الفترة من العام 1982 الي العام 1984م فقط كان يقود الاتحاد « رؤساء الاتحاد « الاخوة المسلمي البشير ومحمد يوسف آدم وعثمان قادم . وكانت دورة التضامن بقيادة الأخ الصديق محمد أحمد سلامة دورة استثنائية لم يتمكن التضامن بعدها من قيادة اتحاد الطلاب حتي علي أيام الديمقراطية الثالثة وسنين الانتفاضة التي قاد فيها الاتجاه الإسلامي الاتحاد بقيادة الطالب وقتها والدبلماسي حاليا أنس الطيب الجيلاني والشهيد حسن الحربي وغيرهم فلو كان التضامن يمثل للطلاب مفجرا لثورة في مقام ثورة ابريل لما فرط فيه الطلاب ولقاد الجامعة الي يومنا هذا ، ولكنه ذهب أيدي سبا وتفرقت بمجموعاته السبل و تصدع ولم يكن قادرا علي البقاء لأن الذي كان يجمع بين تياراته هو بغض الاتجاه الإسلامي وهي عدوة أصابت طلاب حزب الأمة وكيان الأنصار من قبل اليساريين والشيوعيين الذين كانوا يقودون حركة الطلاب المستقلين سرا ومنهم من كشف عن هويته بعد التخرج من الجامعة وهم اليوم من كوادر الحزب الشيوعي ومنهم رئيس تحرير صحيفة الميدان الناطقة باسم الحزب الشيوعي الأستاذة مديحة وغيرها من كوادر اليسار .
نعود للانتفاضة ومن المسلمات أن الحركة الإسلامية ونظام نميري كل منهما كان يتربص بالآخر ولم تكن الحركة الإسلامية تريد أن تبادر النظام بالعداء لأنها لم تكن مستعدة لمواجهة النظام واسقاطه ولم تكن مهيأة لأن تتولي مسئولية الحكم عقب سقوط نميري وذلك لما كان يعتري الساحة السياسية من تناقضات ولما كان عليه نميري من قوة وسيطرة أمنية من خلال جهاز الأمن القومي الذي كان يحصي أنفاس السودانيين ويحرس أمزجتهم قبل تحركاتهم السياسية والفكرية وكان النظام قد انتصر للتو علي الجمهوريين «أنصار محمود محمد طه» من خلال حملة اعلامية كبيرة أدارها عبر الجامعات السودانية وعلي رأسها جامعة أم درمان الإسلامية بواسطة الاتجاه الإسلامي الذي اعتبر تصفية الحزب الجمهوري انتصارا للعقيدة والشريعة الإسلامية في السودان .
وكانت الحركة الإسلامية تعلم بما يدور في الخفاء خاصة من قبل الولايات المتحدة الأمريكية والزيارة التاريخية لنائب الرئيس الأمريكي يومها جورج دبليو بوش الأب عقب تطبيق الرئيس نميري لقوانين سبتمبر من العام 1983م ، وكان القرار الأمريكي هو اسقاط نظام نميري الذي أصبح نظاما داعما للارهاب والتطرف الإسلامي، ولكن السياسة الأمريكية قررت أنه لا يجب أن يتم اسقاط النميري قبل أن يقوم نميري بضرب الإسلاميين والقضاء عليهم وكان البديل المناسب هو زعيم معارضة نظام نميري السيد الصادق المهدي وما كشف عنه الشيخ الدكتور الراحل حسن الترابي من لقاء بين الأمريكيين والصادق المهدي لقيادة رئيس حزب الأمة مرحلة ما بعد نميري، وقام الأستاذ عثمان ميرغني بنشره في عموده بصحيفة التيار في الأيام القليلة الماضية . وقد قام نميري بالدور المرسوم له وهو التخلص من حلفائه الإسلاميين وادخالهم السجون وكان عدد المعتقلين من الأخوان فوق الخمسين قليلا بقيادة الشيخ الترابي عليه رحمة الله ويس عمر الامام ولم يعتقل نائب الأمين العام علي عثمان محمد طه . وكان خبر الاعتقال قد وقع علي الإسلاميين كالصاقعة وكان داويا ولكنه للتاريخ لم يجد تأييدا من الشارع السوداني ومن قاد الحملة ضد الأخوان كان هو نميري نفسه الذي تحدث في خطاب مطول عن تمددهم وعن مؤامراتهم وسيطرتهم علي البنوك وعلي الاقتصاد وأنهم قد صاروا دولة داخل دولة ولهم صحيفة ناطقة باسهم هي صحيفة ألوان التي تم التصديق لها بأن تكون صحيفة ثقافية اجتماعية وكانت الصحف تتبع للاتحاد الاشتراكي السوداني بموجب قانون الصحافة والمطبوعات مما اعتبره نميري مخالفة صريحة وجريمة لا تغتفر . وكان خطاب الرئيس نميري ضد الأخوان عبر» الراديو والتلفزيون ثم الصحيفتين المواليتين له الصحافة والأيام « وهو يغادر البلاد جرت الاعتقالات . ولا أذكر يومها «وكنت طالبا في المستوي الثالث بالجامعة» أن توجيهات قد نزلت للقاعدة الطلابية من الاخوان بالقيام بأي تصرف وربما كانت الاعتقالات مفاجئة للساحة السياسية بأكملها فقد دام التحالف الحذر بين نميري والحركة الإسلامية زهاء العشر سنوات منذ المصالحة الوطنية في العام 1976م حتي الانتفاضة في العام 1985م ، وربما انشغلت الحركة بتأمين ما تعتقد أنها وثائق قد يستخدمها النظام في ادانة الحركة ومعتقليها فهو كما قلت كان يتحدث عن كل شئ حتي صحيفة ألوان الثقافية المستقلة لم يتحدث عن مضمونها وما يكتب فيها ولكنه تحدث عن ألوانها الزاهية دليلا علي القدرات المالية للتنظيم . كان التأمين يمضي علي قدم وساق وعمليات نقل الوثائق من الجامعات والدور الي المنازل لم تتوقف ولم تكن هناك وسائل للحركة من سيارات وغيرها فالتحرك كان يتم سيرا علي الأقدام والمواصلات العامة من مكان الي آخر . وكان هناك أمر مهم وهو أن الحركة الإسلامية كانت قد تركت للطلاب الإسلاميين حرية التعامل مع النظام لدرجة أن الذي ينظر للطلاب الإسلاميين بالجامعات والمعاهد العليا وبعض المدارس الثانوية يومها يعتقد أن الحركة الإسلامية تعارض النظام وتسعي لاسقاطه والذي ينظر لوجود الإسلاميين في مجلس الشعب التابع لنظام نميري وفي الوزارات والاتحاد الاشتراكي وفي السلطة القضائية يجزم بأن الحركة الإسلامية تتحالف مع النظام وتسيطر علي كل مفصل من مفاصل السلطة في أجهزتها التشريعية والتنفيذية والقضائية والسياسية . وكما هو معلوم فان اعتقال قيادات الأخوان علي يد الرئيس الراحل جعفر نميري قد وقع مطلع مارس من العام 1985م وصدرت جريدة المرصد الناطقة باسم الاتجاه الإسلامي بجامعة أم درمان الإسلامية بعناوين حمراء : الطاغية نميري يعتقل آلاف الأخوان في جميع أنحاء السودان . وكان خبرا مدويا جعل الأنظار تتجه لجامعة ام درمان، وزادت أعداد الحضور للجامعة لقراءة المرصد وان كانت كتابة المرصد في تلك الأيام بعناوينها المصادمة للنظام مشكلة، فالمشكلة الثانية في احضار المرصد والصاقها في موقعها المعلوم في الجهة الشمالية من قهوة النظام ، وقد قامت بتعليق المرصد كتيبة اخوانية كانت مرشحة للاعتقال ومصادرة الصحيفة وتم توزيع الأيام كل ثلاثة عليهم يوم لتعليق المرصد .ودخلت كلمة الطاغية نميري قاموس السياسة من أوسع أبوابه في جرأة لم يعتاد عليها النظام جهارا نهارا الا في الخفاء من قبل البعثيين كما ذكرت وكان الشارع أحد الخيارات للطلاب الإسلاميين بجامعة أم درمان الإسلامية وما ينقصهم هو المنبر الطلابي المتمثل في اتحاد الطلاب وقد كان خروج الشارع السوداني في مظاهرات ضد غلاء المعيشة والأوضاع السيئة هو المنقذ للمعتقلين في سجون النظام من موت محقق، وعندما احتد الجدل بعد الانتفاضة عن تخلف الأخوان عن الخروج في تظاهرة 26 مارس بقيادة اتحاد الطلاب كان الفيصل هو الصور الفتوغرافية التي ضمت مجموعات من الأخوان من بينهم مختار محمد مصطفي وهو ناشط في مجال العمل الانساني وأحمد ادريس علي وغيرهم وكانوا يقودون التظاهرة ويحرضون الطلاب علي الخروج وتم رفع صورهم في ندوة شهيرة تحدث فيها قادة الاتجاه الإسلامي بالجامعة وأخرصت أصوات أدعياء النضال ممن يشجعون كرة القدم اليوم ويسقطون في انتخابات الاتحاد العام لكرة القدم ويقولون للناس أنهم كانوا مناضلين وهم الذين فجروا الانتفاضة وهذا غير صحيح وليتهم سكتوا ولم ينكروا علي زملائهم هذا الفضل .
والبعض يقول ان الانتفاضة بدأت منذ الأعوام 1979م اضراب السكة حديد والبعض يردها الي العام 1982م باضراب الأطباء الشهير ولكن الأيام قد اثبتت أن الثورات الشعبية لا تستمر علي وتيرة واحدة زمنا طويلا وكلما تأخرت في حسمها لقضية التغيير تحولت الي نزاع أهلي مسلح كما يحدث الآن في سوريا وليبيا ،ولكن ثورة الربيع العربي في تونس لم تتجاوز احداثها الشهر من انتحار بو عزيزة حتي هروب زين العابدين بني علي، وكذلك ثورة 25 يناير في مصر تم حسمها لصالح الشعب المصري في أقل من شهر . وذات الحال بالنسبة لانتفاضة رجب أبريل التي وقعت في السادس من أبريل من العام 1985م لم تتجاوز أحداثها الشهر من اعتقال قائد ثورة اكتوبر المجيدة الشيخ الترابي في مارس 1985م حتي نهاية الأحداث التي كانت متسارعة كأنها اعصار مدمر . وعلقت الموسوعة الحرة علي ذلك بالقول « بعد ازاحة الترابي من السلطة لم يعمر نظام نميري طويلا فأطاحت به انتفاضة أبريل وهنا بدأ فصل جديد حيث أن التمكين السابق أتاح للترابي أن يساهم في الأحداث من خلال أعوانه الموجودين في مفاصل كثيرة وخاصة الجيش « ، والبعض يقول ان الانتفاضة كانت مجرد انقلاب عسكري ولكنها انتفاضة شعبية ولم يكن مخطط لها وقد انحازت القوات المسلحة للمتظاهرين والمحتجين في لحظة مفصلية كما حدث مع ثورة اكتوبر 1964م ولو كانت محض انقلاب عسكري لما أعقبها تحول ديمقراطي من نظام نميري الأحادي الي تعددية سياسية وحزبية لم تستثن أحدا ولم يكن ذلك منة أو هبة من جهة من الجهات، ولكن لأن الكل قد ساهم في الانتفاضة الشعبية فصارت ملكا للجميع مع الاختلاف وتنوع الفرص وبعضها كان بالبصارة والدبارة كما علق صاحبنا سائق اللوري في ذلك الوقت