عبد الرحمن الريح.. قصة أغنية خالدة:(لو إنت نسيت.. أنا ما نسيت)..!

يرويها – البروفيسور:أحمد محمد علي إسماعيل
يعتبر الشاعر (عبد الرحمن الريح) من الذين أسسوا قواعد الفن السوداني حتى تخرج من مدرسته بحي العرب أكثر من عشرين فناناً: (حسن عطية)، (التاج مصطفى)، (عبد العزيز داؤود)، (ابراهيم عوض)، (عمر أحمد)، (أحمد الجابري)، (ود المقرن)، (الفاتح حاج سعد)، (صالح سعد)، (خالد محمد احمد)، (الأمين علي سليمان)، (الطيب مهران)، (محمد أحمد عوض)، و(خليل إسماعيل). إضافة لمطربي الحقيبة.

(1)
في إحدى زياراتي له بمنزله في السبعينيات تبادلنا الحديث عن الشعر والغناء، وحين جاء الحديث عن أحدهم، وصفه بقوله:
ــ (ده ولد كويس، حيقول ليكم شعر كويس)..!
وكان يقصد وقتها، رئيس جمهورية الحب، الشاعر (اسحق الحلنقي)..!
وحين إنتقلنا لغناء الاربعينيات، قال:
ـــ (أحكي ليك قصة)؟!
قلت له:
ــ ياريت..!
فقال:
ـــ (جاءني صديقي الشاعر (عتيق) يوماً وكان يعمل ببورتسودان قائلاً: (ظهر فنان جديد في الخرطوم أسمو (حسن عطية) شكلو عندو مستقبل وشغّال في معمل (استاك)، وأنا سمحت ليهو يغني (هل تدري يا نعسان)..
وبعد أن رجع (عتيق) لبورتسودان، كنت أجلس في قهوة (جورج مشرقي) حين جاء (التاج مصطفى) فقلت له:
ـــ (يا أستاذ (التاج) أنا أديتك ثلاثة أغنيات: (الملهمة) ـ (سحروك) ـ (ولو انت نسيت)، وأنا شايف انو (الملهمة) و(سحروك) أخدو مساحة كويسة، طيب ليه ما غنيت التالتة)؟!
قال (التاج):
ـــ والله يا (عبد الرحمن) ما جات مع صوتي..!
فقلت له:
ـــ خلاص يا (التاج)، رجعها لي..
ويواصل عبيد عبدالرحمن حكاياته لي وهو يقول:
ـــ (اتصلت بعتيق وقلت ليهو خلي صاحبك حسن عطية يجيني عشان عندي ليهو أغنية جاهزة، وفعلاً جاني حسن عطية وأديتو الأغنية).
وهذه الحكاية، أكدها بحذافيرها الفنان التاج مصطفى في حلقة إذاعية قبل وفاته بشهرين في (2004م) بحضور نجله المحامي محمد التاج مصطفى.
(2)
قال عبدالرحمن الريح وهو يواصل سرد حكاية إغنية (لو إنت نسيت)، قال أنها لاقت نجاحاً عند حسن عطية مما جعلني أعطيه أغنيتي: (خداري) و(إنت حياتي)، ومن يومها استمرت الثنائية بيننا.
قلت له:
ـــ (يا عبد الرحمن يعني ما كان عندك أي أغنية تديها لي حسن عطية غير (لو انت نسيت)؟!
فرد بالحرف الواحد:
ـــ (أنا بدي الفنان اغنياتي حسب الجلساء وثقافتو وعملو، وإذا كان (عتيق) أداهو أغنية بمستوى (هل تدري يا نعسان)، فلازم بدايتي معاهو تكون قريبة من (عتيق)).
(3)
من حق القارئ أن يتساءل:
ـــ أين عبقرية (عبد الرحمن الريح) في هذه الأغنية؟!
وأنا أقول:
ـــ كل كلمات الأغنية تنم عن عبقرية:
(لو انت نسيت.. أنا ما نسيت
نشأتنا الأولى.. أيام جهالتنا وزمن الطفولة)..
لقد وفق الشاعر في إهداءها لـ(حسن عطية)، ومن منا لا يتذكر ذلك الزمان الجميل، حين تصل الى آخر الأغنية:
(كان كل المرام.. نكون أحباب كرام
ساقينا الهوى وخمرتنا الغرام)..
(4)
العبقرية هي رؤية الشخص لخصائص وأشياء يدرك كنهها هو (سبق الحدث)، ولا ندركها نحن بسهولة.
فلو تأملت شطر البيت:
ــ (ساقينا الهوى وخمرتنا الغرام)
نجد أن (عبد الرحمن الريح) قال لنا في تلك الجلسة العاطفية ومعه محبوبته، ان الحب كان يخدمهما ويسقيهم الخمر، فتصور أيها القارئ روعة المشهد (الخمر هنا مجازاً، خمر الهوى غير الملموس) وهذا النوع من الخمر كان لازماً دائماً غير مفارق، وغير مفرّق للمحب والحبيب (راجع تفسير الآيات 63 ? 66 وخصوصاً الآية 65 سورة الفرقان). (والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم ان عذابها كان غراماً) صدق الله العظيم.
واستخلص ان الغرام ليس بمعني الحب أو الهيام أو الصبابة، بل تعني الملازمة الدائمة.
ويؤكد لنا (عبد الرحمن الريح) انه لا يود ان يفارق محبوبته بل ان يكونا متلازمين مدى الحياة وهذه هي حالة نفسية (state of mind) تصيب العاشق فيصبح self ? absorbed (مستغرق في التفكير)، وتوضح براعة الشاعر الكلف ان الغرام به مستوى معيناً من العذاب المرتبط بالحب السرمدي.
ولو تغنت (حبابة) بكلمات (عبد الرحمن الريح) هذه أمام (يزيد بن عبد الملك) لصرخ صرخة داوية وشق ثيابه وقام يدور في القصر مخاطباً إياها (أتأذنين لي ان أطير لألحق بسحرة بابل؟!).
(5)
لله درك (يا عبد الرحمن الريح)، والسلام لـ(تاج الأغنية السودانية) الفنان (التاج مصطفى) وصديقه (زرياب الأغنية السودانية)، (حسن عطية).
* جامعة الأحفاد للبنات ــ أم درمان