سبع صنائع والبخت ضائع.!سائق ركشة بماجستير وصاحب دكان يعلق الدكتوراه فى الرف

تقرير ? رانيا حسن

للحياة مفارقات غريبة.. وظروفها قد تقودنا لأشياء قد لا نصدق نحن أنفسنا أننا قد مارسناها يوماً ما.. ولكنه الواقع المعاش.. فقد أمضى هؤلاء سنوات طويلة من الجد والاجتهاد على مدرجات الجامعات.. وكانوا يحلمون بأبواب المستقبل المفتوحة أمامهم.
ولكن ظروفهم الاجتماعية والاقتصادية جعلتهم يعلقون شهاداتهم داخل برواز أنيق على جدار المنزل.. ويشمرون عن سواعدهم ليدخلوا الأسواق في مهن بعيدة كل البعد عن مجال دراستهم.. وربما مهن هامشية في أحيان كثيرة.
بحثت (الصحافة) عنهم تستطلعهم، ليفجروا دموع الألم على ورق وينبشوا أحلامهم المؤودة.. فماذا قالوا ؟!

(1)
فتاح يا عليم رزاق يا كريم.. كلمات يهمس بها عبد الرحيم حسين كل صباح وهو يحمل معدات السباك ليفرشها أمامه وهو يمم وجهه شطر المسجد الكبير بأم درمان .. لو أنني انتظرت حتى أحصل على عمل في تخصصي الذي تخرجت به من الجامعة لجاع أهلي بالمنزل.. أنا خريج (تاريخ) ومجالاته محصورة.. أهلي تعبوا حتى اكمل دراستي ولا يمكن ان يستمروا في الصرف عليّ أكثر من ذلك.. ولابد أن أرد لهم هذا الجميل أيضاً فأنا رجل الأسرة بعد وفاة والدي وإخوتي جميعاً في مراحل دراسية مختلفة! والصنعة ليست غريبة عليّ فهي مهنة الوالد قبل وفاته وكنت أساعده لذلك لم يكن صعباً عليّ الانخراط فيها.
(2)
خريج قانون جامعة أفريقيا العالمية قال إن ذكر اسمه سيسبب له العديد من المشاكل ولكنه تحدث الينا بواقعية: لكي تعمل في مجال القانون لابد لك ان تمتحن (المعادلة) ليتم بموجبها السماح لك بممارسة المهنة رسمياً (كمحامي) داخل المحاكم.. لكنها تحتاج لمراجع وكتب ومصاريف.. ولم استطع أنا الامتحان نسبة لظروفي القاسية وعندما ضاقت بي الدنيا اتجهت لأعمل باليومية لأصرف على نفسي وأسرتي واستطيع توفير مبلغ يساهم في مصاريف امتحان (المعادلة)، رغم ان الرزق هنا على الله (يوم في ويوم ما في)، وأصدقك القول بأنني حاولت العمل بمكتب محامي إلا ان ما كنت أتقاضاه لم يكن يكفي مواصلاتي.. فالعمل كعامل يومية أفضل.. فهناك يتعامل معك صاحب المكتب على أساس انك (متدرب) بلا مقابل ولكن هنا قد يصدق معك الأمر وتخرج بمبلغ مجزٍ
(3)
ربما تكون ظروف أحمد علي سائق الركشة وحامل شهادة الماجستير في اللغة العربية أفضل من غيره فهو لم ينقطع من الدراسة بل ويفكر في الوصول للدكتوراه.. قال لنا بأنه بعد تخرجه من جامعة الجزيرة حاول الاتجاه الى مهنة التدريس عبر لجنة الاختيار.. ودون مبالغة مافي مؤسسة حكومية لم أدخلها بشهاداتي درست كمبيوتر ومتخرج بمرتبة الشرف ومقضي الخدمة لكنني أعمل في (ركشة) وعندما ضاقت بي الدنيا أرسلت لاخي (المغترب) وأرسل لي مبلغ اشتريت به هذه (الركشة) وهي اليوم (شايلة البيت) والحمد لله، بالإضافة الى انني اواصل دراساتي وإطلاعي.. دخلها الشهري قد يصل خمسة ملايين ن (أحياناً).. وهو مرتب لن أجده في أي عمل آخر.. ولكن هذا (لا يحبطني) وأواصل طرق أبواب العلم وعلى ثقة بأنني سأجد يوماً العمل الذي يناسبني!
(4)
قال لنا وهو يشير الى شهادة الدكتوراه المعلقة بشكل أنيق على جدران صالون المنزل.. لم أعمل بهذه الشهادات يوماً ولم أفكر بذلك فأنا تاجر ابن تاجر والتجارة تسري في دمنا.. ومنذ دخولي الجامعة وأنا أواصل العمل داخل مكتب والدي التجاري واليوم لدي عملي الخاص.. وانا أحب العلم وأسعى إليه وأدفع ابنائي له وأشجعهم عليهم ليس كوسيلة للتوظيف في المستقبل ولكنه (لغاية) في حد ذاتها فالإنسان المتعلم يكون ناجحاً في أي مجال يتجه اليه.. كذلك في الحياة العامة وقد أفادني (التعليم) كثيراً في عملي التجاري فالعالم اليوم صار مفتوحاً والتجارة أصبحت مهنة عالمية لا مكان للجاهل للنجاح فيها.
(5)
يضع أمامه ميزان (موية وكوريك) ومجموعة من أدوات البناء ويجلس على أطراف سوق بحري ليلفت نظرنا بهندامه المنظم الذي لا يوحي بأنه عامل بناء اقتربنا منه ليقول لنا عبد الله عبد الرحمن بأنه درس المحاسبة بجامعة أم درمان الأهلية وقد تخرج منذ أربع سنوات ، مؤكداً لنا بأنه ضاق ذرعاً من مسلسل لجنة الاختيار وان الشغل بصورة عامة أصبح بالواسطة والمعرفة.. وبصراحة فقد يئست من الوظيفة وأنا الآن امتهن مهنة البناء التي اكتسبتها بالتدرج من عامل طلبة الى ان أصبحت (معلم) الآن والحمد الله الرزق (ما بطال) وأحياناً يكون أفضل من مرتبات الموظفين لكن (مرات نكون قاعدين ساكت ) فترة طويلة عموماً أنا بعتبر كل عمل حلال ليس عيباً ونصبر حتى يفرجها المولى!
(6)
العمل شرف في أي مهنة والاجتهاد واجب.. ولكن ان تجتهد سنوات طويلة في دراسة (معينة) وتأتي لتعلق الشهادة على جدران منزلك وتتجه للعمل في مجال بعيد تماماً عن مجال معرفتك أمر مؤسف فالدراسة وان كانت (غاية) للتلقي والمعرفة إلا انه وسيلة لتفتح أمامك آفاق جديدة للمستقبل القريب في ذلك المجال.. والعزاء ان كل الذين يحملون هذه الشهادات يسعون للدخول لمجال العمل في إطارتحسين الظروف. وقد تتحسن الظروف والصبر مفتاح الفرج.. والكثيرين هم الذين يحملون شهاداتهم الجامعية ويعملون في مهن هامشية في انتظار هذا الفرج ولسان حالهم يردد كلمة واحدة.. الله كريم..!