لؤلؤة الضفاف .. ذهبية العلم وبرونزية الجمال!الكوة (110) عام على انطلاقة التعليم

يرويها- الحاج عبد الرحمن الحاج موسى
(1)
الكوة في قواميس اللغة هي الفتحة التي ينفذ من خلالها الضوء، والكوة في الروايات التي يحفظها اهلنا هناك انها استمدت اسمها من انها كانت المنفذ الوحيد المطل على النيل وسط الاشجار، فكان الناس حينما يريدون ورود النهر يقولون اننا ذاهبون بتلك (الكوة)، ورواية اخرى هي الاقرب للمعنى والاكثر تداولاً وهي ان هذا الاسم جاء من اشجار (الكو) التي كانت تنتشر في المنطقة بكثافة، ومهما يكن من امر التسمية ودلالاتها فان (الكوة) التي تقع على الضفة الشرقية للنيل في موقع اطلالي وجمالي متميز، قد قامت على انقاض حضارة تاريخية تليدة عرفت بـ(مملكة أليس) خلفت ورائها منقوشات ومشغولات فنية رائعة تؤكد ان انسان هذه المنطقة تميز بالنبوغ والابداع.
(2)
والكوة من اوائل المدن التي عرفت التعليم في السودان، وقد تخرج من مدرستها التي انشأت في العام 1902م افذاذ العلماء وفي مقدمتهم بالطبع العالم الكبير البروفيسور التجاني محمد الماحي وآخرين غيره، وقد كانت مفخرة لنا جميعاً ان ينال احد ابنائها النوابغ وهو البروفيسور محمد النصري حمزة جائزة المشير الزبير للتفوق العلمي، وهي تمثل تقدير علمي وادبي رفيع يضاف إلى سجل انجازات الكوة الحافل، ومن ابناء الكوة الكثير من الادباء والشعراء الذين لا يكتبون الا بوجدان الكوة ولا يغردون الا بحب الكوة فالشاعر الدكتور عمر عبد الماجد سمى ديوانه (اسرار تمبكتو القديمة)، وهي مملكة تاريخية في الكنغو لكنه تغنى فيه بحب (أليس) الكوة الجميلة، والشاعر عبد الله شابو- يا سلام على شابو- رصع كل ديوانه بحب الناس والاشياء والاماكن، ان ديوانه (حاطب الليل) يعتبر مفخرة للشعر الرصين في السودان، ان اهل الادب يجمعون على ان الخضرة والماء والطبيعة الاثرة لها دور في تزكية الابداع، ونحن نسأل اهل العلوم عن دور الاسماك والخضار الطازج في تزكية النبوغ والتفوق، فالكوة الحالية قد ورثت الابداع من مملكة أليس القديمة.
(3)
ولأبناء الكوة- عموماً محبة خاصة للبلد وللنيل الذي يؤثرونه بالتحية: (سلام عليك يا بحر أبيض) وكأني بالنيل يرد عليهم التحية بشقشقة العصافير في الغابة والجميزات وايقاعات الموج التي تتهادى على نحوها مراكب الرواسة طرباً في النيل الابيض المتهدل على نسمات الدعاش الندية التي تتراقص لها النخلات (شبالا) في عرس الشاعرية والفرح البهيج.. ان الكوة تمثل مهرجاناً من الجمال الانيق وكتاباً- مفتوحاً- في التاريخ العريق وقيمة حضارية وتراثية فذة.
(4)
إن التحفيز على الاقتداء والتشجيع على العطاء يحتمان علينا ان نعتني بهذا التاريخ، ان التوثيق لتاريخ منطقة مثل (الكوة) يمثل جزءا فاعلا في التوثيق العام لتاريخ السودان.. حيث تنادى ابناء الكوة واحتفلوا بمرور مائة عام على انطلاقة التعليم النظامي فيها، وهي احتفالية اخذت المدينة تتهيأ لها بكل زخمها الانيق وزخرفها البراق.
فيا أهل السودان عموماً ويا ابناء الكوة خصوصاً وثقوا لتاريخ العطاء والابداع عندكم وسع الله عليكم في النعمة والخير.