أين من عينى هاتيك المجال القصيدة العربية فى مكتبة الغناء السودانى

بقلم السفير :محمود يوسف بانقا
من الملاحظ أن الفنانين السودانيين كانوا يختارون من عيون الشعر العربى الفصيح ويقدمونه للمستمع السودانى بألحان تتناسب مع الأذن المحلية، وقد لقى هذا الإتجاه نجاحاً كبيراً ولاغرو فإن للكلمة القدح المعلى فى إكمال أركان الأغنية والوصول إلى الغاية المنشودة منها .(1)
من القصائد التى وجدت حظها فى مجال الغناء السودانى الجندول للشاعر المصرى على محمود طه المهندس. هذه القصيدة تتمثل فيها خصائص المهندس إذ أنه عرف عنه النقاد بشاعر الأنشودة وليس القصة ويبدو هذا واضحاً عند مقارنة الجندول بوطن النجوم لالياء أبو ماضى والتى تغنى بها الفنان أحمد المصطفى . نجد أن المهندس يبدأ قصيدته بالحديث عن البندقية (فينيسيا) فيقول:
أين من عينى هاتيك المجال
ياعروس البحر ياحلم الخيال
أين عشاقك سمار الليالى
أين من واديك يامهد الجمال
موكب الغيد وعيد الكرنفال
وسرى الجندول فى عرض القنال
ثم ينتقل فى ذات القصيدة ليتحدث عن حسناء ذهبية الشعر وشرقية السمات قابلها بالصدفة وتعلق قلبه بها من أول نظرة .إنها علاقة غير عميقة ولم تترك أثراً فى وجدان الشاعر كما نرى فى آخر القصيدة .
قال من أين واصغى ورنا
من أين قلت من مصر قريب هنا
قال إن تكن غريب أنت هاهنا
فأنا لم تكن فينيسيا لى موطنا
قلت والنشوة تسرى فى لسان
هاجت الذكرى فأين الهرمان
أين وادى السحر صداح المعانى
أين ماء النيل أين الهرمان
(2)
موضوع القصيدة : لايحتوع على موضوع واحد إنما أستنطق الشاعر ماألتقطه وجدانه فى وقت وجيز من التغنى بالمدينة الساحرة التى سلبت عقله ثم توقف هنيهة عند الشابة التى قابلته وأنتهى إلى بلده مصر.إنها بالفعل أنشودة.
لاأعلم ولكن أكاد أجزم أن المهندس قد شاهد الكرنفال فى مدينة البندقية (فينيسيا) والذى يقام سنوياً فى فبراير من كل عام، لأن مواكب الغيد هى إحدى أهم السمات فى الكرنفال.
والمرأة التى إختارها هى مثال للحسان اللاتى تبهرن السياح فهى شقراء ذهبية الشعر ولكنها ذات سمات شرقية. إنها جذبت شخص فى عجلة من أمره وهو بالطبع سائح.
الملحن خليل أحمد أحد مؤسسى نادى الخرطوم جنوب للموسيقى والغناء وهو علم فى دنيا الطرب السودانى وقدم للشعب فنانين تركوا بصمات واضحة فى تاريخ الأغنية منهم الهرم محمد وردى والمطربة منى الخير وهذا على سبيل المثال وليس الحصر.
(3)
تغنى الكثيرون بألحان خليل أحمد ولكن هذا الملحن كان له شأن آخر فى أغنية الجندول موضوع هذا المقال . وقد قام الموسيقار المصرى الكبير محمد عبد الوهاب بتلحين وغناء هذه القصيدة، غير أننى أرى خليل أحمد قد تفوق عليه لأنه تجاوز نص القصيدة وولج إلى روح النص وذلك بالتعامل معها كأنشودة وذلك بإشراك الكورس النسائى فى الآداء.شئ آخر أن لحن خليل كان على نسق السلم الخماسى مما جعل الأغنية تتناغم مع الذوق السودانى. وقد أبدع الفنان عبد الرحمن بشير (إبن الشاطئ ) فى أداء هذه الأغنية بروعة متناهية .
(4)
أرجو من القارئ الكريم الإستماع لأغنية الجندول ليتعرف بنفسه على ماقلناه والذى يعكس الحس الفطرى للملحن السودانى والذى تعامل مع نص القصيدة كما ينبغى أن يكون التناول الموسيقى، وهذا يؤكد أن الموهبة أساس الإبداع .العلم يصقل الموهبة ولكنه لايصنعها.