الجمعيات التعاونية في زمن التحرير الاقتصادي

735التعاون فكرة اجتماعية سديدة وهي من أهم أنشطة المجتمع. نبعت الفكرة من ضرورة تبني مبادرات لتوفير السلع الأساسية للمواطنين المساهمين في هذه الجمعيات بأسعار تقل عن أسعار السوق إلي جانب ضمان توفر السلع حتى في أحلك الظروف. ازدهرت الجمعيات التعاونية في سبعينيات القرن الماضي وكانت تشرف عليها وزارة التجارة والتعاون والتموين وقد حققت الجمعيات التعاونية سابقاً أهدافها في أوساط المجتمعات في الريف والحضر وعملت على حماية المواطنين من غول السوق الذي يستنزف مدخراتهم الشحيحة. الأسبوع الماضي نظمت الجمعية السودانية لحماية المستهلك بالتعاون مع بعثة الأمم المتحدة بالسودان ندوة حول دور التعاونيات في حماية المستهلك حيث طالب عدد من الخبراء التعاونيين والاقتصاديين بضرورة إعادة التعاون إلى سابق عهده. والهدف الرئيس من التعاون هو تخفيف أعباء المعيشة على المستهلك بتجميع القدرات والإمكانات لدعم متوسطي ومحدودي الدخل بتأمين السلع بأسعار مناسبة ومستقرة. والظروف الاقتصادية الحالية هي الأنسب لعودة الجمعيات التعاونية في الأحياء والقرى البعيدة وقد تجد دعوات بعث الفكرة من جديد آذاناً صاغية. ولكن ما بين المثال السابق للتعاونيات الذي كان سائداً في السبعينيات والأمنيات الحالية بضرورة عودة التعاون لابد أنّ هناك مياهاً كثيرة جرت تحت الجسر وكما يقول المثل ليس بإمكانك النزول إلى البحر مرتين فلابد إذن من دراسة التجربة السابقة من حيث الايجابيات والسلبيات بما في ذلك طريقة توفير السلع نفسها ومصادر التمويل والأسهم… الخ. يتبع ذلك التفكير في طرق جديدة لإدارة الجمعيات التعاونية مقروءًا مع المتغيرات الاقتصادية المحلية والعالمية، وقطعاً واقع اليوم اقتصادياً ليس كواقع الأمس. اليوم الاقتصاد السوداني يحتكم لسياسة التحرير الاقتصادي التي تقوم على آلية العرض والطلب، فهل تستطيع الجمعيات التعاونية الصمود في مثل هذا الواقع؟ وإذا تسني للتعاونيات تجميع قواها كيف ستقفز فوق كثير من المعيقات والعقبات مثل الرسوم الجمركية والضرائب والمحليات؟! وهل ستتدخل الدولة لدعم التعاونيات بالإعفاءات مثلاً؟ وما هي الضمانات اللازمة بألا تدخل سلع التعاونيات إلى السوق؟ القصة تحوي العديد من التعقيدات التي تحتاج لدراسات وافية ومسح اجتماعي للتأكد من قابلية المجتمع لتجديد عقده وعهده مع الجمعيات التعاونية. إلا أنّ ما يجعل الفكرة أكثر استحساناً في الأوساط الاجتماعية أنها فكرة تقوم على تحقيق التآزر والتماسك بين أفراد المجتمع من خلال تطبيق فكرة الجمعيات التعاونية لما لها من دور فعّال في رفع المعاناة. التعاون له أشكال كثيرة ومتنوعة وهو أقرب الأفكار إلى مبادئ التكافل في الإسلام، فقط الأمر يحتاج إلى جدية في طريقة إنفاذه.