الحصار الاقتصادي .. سيــــاسة البـــــاب المـــــوارب

08-10-2016-09-51كانت العلاقات السودانية الأمريكية مزدهرة ازدهاراً كبيراً في السابق، وقد اهتمت حكومة الولايات المتحدة الأمريكية بالسودان منذ استقلاله حيث قامت بطباعة الجنيه السوداني في بلادها ورحّلت أربعة ملايين جنيه على متن طائرة عسكرية وتنازلت عن تكاليف الترحيل. واستمر هذا الازدهار حتى في زمن عبود فزار الرئيس ريتشارد نيكسون السودان وبادله الرئيس عبود بزيارة مماثلة وفي العهد المايوي تواصل الاهتمام الأمريكي بالسودان وتوج هذا الاهتمام بدخول شركة شيفرون للتنقيب عن النفط السوداني. واللافت أن الإدارة الأمريكية لم تعر حكومة الأحزاب اهتماماً بذكر ولم تأسَ لذهابها. وفي العام 1997م أصدرت الإدارة الأمريكية قراراً بوضع السودان على قائمة الدول الراعية للإرهاب، ولو توفر للمخابرات الأمريكية قدر من الذكاء أو القراءة الصحيحة لتأكد لها أن الشخصية السودانية غير ميالة للإرهاب لا على مستوى الأفراد أو الحكومات على العكس من العديد من الشعوب العربية والشعوب الأخرى. صبر الشعب السوداني على مدى 19 عاماً على ضيق وعنت الحصار الاقتصادي وذلك ببساطة لأنه يملك من الموارد ما يقيه شرور الحصار غير المبرر. وفي خلال سنوات الحصار المضروب على البلاد استطاع السودان تصدير النفط عبر ميناء بشائر في العام 1999م بمساعدة من الصين، ويبدو أن الأمريكان لم «يبلعوا» ذلك فقاموا في أوقات لاحقة بتشديد الحصار في أروقة أخرى مثل التحويلات البنكية مع تحريض دائم وتهديد لعدد من الدول بعدم التعامل مع السودان وكل ذلك لم يجد فتيلاً. وتحت ضغوط من صانعي المواد الغذائية خاصة «البيبسي والكولا» قامت الإدارة الأمريكية باستثناء الصمغ العربي من الحظر التجاري بل إن كل الزيارات التي تمت لشخصيات أمريكية سواءً في الكونغرس أو الإدارة الأمريكية لم يأتوا للسودان إلا للسؤال عن الصمغ العربي وأخيراً أنشأت السفارة الأمريكية بالخرطوم ملفاً خاصاً بالصمغ العربي تحت امرة الملحق الاقتصادي بالسفارة وهذا إجراء يتم لأول مرة في علاقات البلدين. وفي الآونة الأخيرة نشطت الاتصالات بين السودان والولايات المتحدة على عدة مستويات نتج عنها تخفيف إجراءات التحويلات المالية تبع ذلك إجراء آخر بفك الحظر عن المعدات الطبية ذات الأصول الأمريكية هذا إلي جانب التوصل إلي نتائج ايجابية في مجال تقنية المعلومات والاتصال. كل هذا يؤكد أن أمريكا اتبعت سياسة الباب الموارب مع السودان لرفع الحظر الاقتصادي ربما في وقت قريب نسبياً. أكثر المؤسسات التي تأثرت بالحظر الاقتصادي هما السكة حديد وسودانير وهي مؤسسات عريقة في السودان يحتاج إعادة تأهيلها إلي مليارات الدولار وقد أعلن رئيس الجمهورية في خطابه أمام البرلمان مؤخراً عن اتجاه لدعم أسطول سودانير بأربعة عشر طائرة جديدة. السودان دخل في تحالفات اقتصادية جديدة مع الصين وهذا سيعوض نقص المعدات الزراعية ذات التكنولوجيا العالية ويفتح الباب واسعاً للاستفادة من موارد السودان الزراعية الهائلة. كما أنّ روسيا طرقت الباب في أكثر من مجال سيفضي إلي شراكة اقتصادية ناجحة فالعالم لم يعد كله بيد أمريكا وقد جاء في وثيقة الشراكة الاستراتيجية بين السودان والصين تعليقاً على نماذج المشاريع الكبيرة في المناطق الزراعية المتكاملة التي سيتم تنفيذها بين الجانبين: «يأتي هذا المشروع تتويجاً للعلاقات المتميزة بين السودان ودولة الصين في إطار شراكة استراتيجية يقدّم بها الطرفان مساهمة مقدرة في مطلوبات الأمن الغذائي والتجارة الدولية للسلع والمنتجات الزراعية، وتتحقق به أهدافهما المشتركة. ويهدف هذا المشروع لاستثمار تكامل إمكانيات البلدين حيث تتميز الصين بتوفر رأس المال والتكنولوجيا والخبرة العملية والعلاقات الاقتصادية والتجارية الواسعة مع دول العالم كما يتميز السودان بوفرة الموارد الزراعية من أراضٍ ومياه وخبرات فنية وموقع استراتيجي وتجاري يربط بين الدول الأفريقية والعربية ليتم من خلال المشروع المقترح تكامل هذه الموارد لمصلحة البلدين الشقيقين. ولهذا سيتم تمويل قيام أنشطة استثمارية زراعية وخدمية متكاملة تستدعي لها القدرات التكنولوجية والخبرات الإدارية بما يحقق منظومة متكاملة من الأنشطة والمكونات التي يتحقق من خلالها مشروعات كبيرة الحجم ومتصالحة مع المجتمعات المحلية وتساهم في تطويرها على نحو يحقق النجاح والاستدامة في إطار علاقة متكافئة العائد والمنفعة للشعبين وسيتم إنشاء المشروع في منطقة اقتصادية خاصة تحكمها اتفاقية بين حكومتي البلدين يتم فيها تخصيص السودان لحقوق امتياز وانتفاع للاستثمارات الصينية من أراضٍ ومياه وبنيات إنتاج وامتيازات وتسهيلات كافية لإنشاء هذه المشروعات وتشغيلها وتطويرها على أسس فنية تحقق جدواها الاقتصادية والمالية والاجتماعية. تبلغ مساحة المشروع الكلية نحو 1,3 مليون فدان ويقع على ضفتي أدنى نهر عطبرة وتكفل اتفاقية المشروع حقوق استغلال الأراضي والمياه من مصادرها المختلفة «الأنهر والمساقط المائية والأمطار والمياه الجوفية» المتاحة في منطقة المشروع على النحو الذي يكفي لتنفيذ أنشطته في كل مراحل التنفيذ والتطوير».
التحالف الاقتصادي مع الصين ومثله مع روسيا سيجعل الاقتصاد السوداني يتنفس الصعداء وقد ترى أمريكا أن تفتح لشركاتها الاستثمار في السوان في كافة المجالات المتاحة ولكن ستجد هذه الشركات أن مياهاً كثيرة جرت تحت الجسر. السودان الآن مؤهل تماماً لتلبية مطالب الأمن الغذائي العالمي والإقليمي وهو يمضي مطمئناً نحو تحقيق غاياته في استعادة الاستقرار والنمو الاقتصادي. إن الحصار الأمريكي سيكون عمّا قريب مجرد أحرف صفراء على الورق فالاقتصاد السوداني سيستعيد عافيته رغم أنف اليانكي!