نوستالجيا

زوايا : عماد البليك

زوايا : عماد البليك

كثيرا ما نردد كلمة نوستالجيا وفي مواقف عديدة، وهنا أتحدث عنها في إطار الثقافة والمثقف، وقبل ذلك أتوقف عند معنى الكلمة أو دلالتها التأسيسية حيث إن النوستالجيا في اليونانية القديمة تعني الشوق والألم، فهو نوع من الاشتياق والتذكر والوله المشوب بالحنين وإن كان مؤلما في الوقت نفسه، وهو «ألم الجهل» لأن الذات ما زالت غارقة في الماضي والأمس لم تصل بعد إلى مساحة جديدة حقيقية، حتى لو أنها في تمظهراتها تقول غير ذلك، لأن الأساس والجوهر القديم ما زال باقيا ومتجذرا.
وغالبا ما يستخدم اصطلاح النوستالجيا في معناه العملي والمباشر لوصف الحنين إلى الماضي، عند من يعاني ذلك «المرض» بحيث يكون لديه هوس أو نوع من المعاناة النفسية وحيث يظن أنه لن يستطيع أن يعود إلى بيته ودياره التي غادرها أو أنه سيظل يعيش اكتئابا كبيرا جدا لا يقدر على الانفكاك منه أبدا. كما توصف النوستالجيا على أنها حالة مرضية أو شكل من أشكال الاكتئاب خاصة إذا أصبحت ملحة ومتكررة بحيث تشكل عمى للذات عن رؤية المستقبل والتبصر الأفضل للحياة بحيث تعيق الإنسان عن الفعل الفاعل والإرادة السوية التي تصنع الجديد وتنشد المبتكر وتتجاوز أنظمة التخييل الكلاسيكية.
وفي فترة من تاريخها التوصيفي والعملياتي ارتبطت النوستالجيا بدرجة عميقة بمدارس فكرية وفنية تحديدا مثل الرومانتيكية في أوروبا وإلى نهاية القرن التاسع عشر ومنها انتقلت للعالم العربي في مطلع القرن العشرين، فوجدناها في أشعار أبوالقاسم الشابي والتيجاني يوسف بشير وكتابات المنفلوطي ومدارس المهجر كما عند إيليا أبو ماضي، هؤلاء الذين مارسوا نوعا من الحنين ليس للماضي بل للذات المتحررة عن الطريق برغبة الالتحام مع مطلقات الطبيعة والكون والوجود والجماليات المجردة، بظن أن خلاص الإنسان وتحرره يكون بالتماهي مع العالم الخارجي، وهو الفكر الرومانتيكي الذي سرعان ما أثبت فشله كقيمة جمالية، وكان قد استورد في سياق الخيال العربي بعد أن استنفد غرضه أو وظيفته في المجال الأوروبي. تماما كما فعل الحداثة التي بدأنا في الكلام عنها بعد أن انتهى دورها وفعاليتها في الغرب ومنذ 1974م حيث يصعب تحديد مؤشر زمني مباشر لذلك الشيء.
وهكذا فإن النوستالجيا لها أكثر من صورة وتجلٍ، فهي حنين مطلق إلى الماضي أو الجوامد والقوالب وتكلس الذات وانغلاقها سواء على الخارج أو الداخل، وهي رغبة في تلمس الحل في البعد الآخر سواء كان زمنا حديثا أم قديما جدا، هي رغبات العقائد التي ترى نفسها هي الإطلاق دون سواها وتمارس الإكراه لتكون هي الحقيقة المطلقة على الدوام، وما أبشع الصورة ساعة تكون تلك العقيدة يتبناها المثقف أو من يسمى نفسه داع للتحديث والتجديد وتغيير أنساق الحياة الإنسانية والوجود.