الكلمات المؤثرة روحٌ وحياة

 كثيرون أولئك الذين يكتبون ويتحدثون ، وكم من كُتَّاب يسودون صفحات الصحف ويؤلفون الكتب ، ولا أحد ينتبه ، أو يتأثر بما قالوه ، أو سجلوه.
كما أن المساجد مليئة بالخطباء الذين يلقون خطبهم على جمهرة من النَّاس، فلا يفهم منهم أحد ، ولا ينجذب إليهم المستمعون ، وإذا سألت من كان حاضراً لتلك الخطبة لما تذكر منها شيئاً سوى صدى الكلمات ،والسياسيون هم كذلك ، قد أدمنوا الحديث ، ولكن قد تجد بينهم من أصبح خطابه ممجوجاً و مكروراً ، ومثيراً للسخط إلى درجة بأن الذين يغتاظون منهم ، يغلقون المذياع ، أو التلفاز بشكل عنيف ، دون أن يرتكب أي من الجهازين إثماً سوى أنه كان ناقلاً لذلك الحديث.
والغريب في الأمر بأن هناك قولاً بذات المضمون ، قد يتفضل به وبتلاوته شخص ما دون أن ينعكس تأثيره على السامعين ، بسبب أن ذلك الشخص غير قادرللإتصال ، إما بفعل صوته الغائر، أو طريقته في الإلقاء ، أو ربكته التي كانت وراء إرباك السامعين ، وعدم قدرتهم لتمييز ما يقول.
ولكن عندما ينهض شخص آخر، ليخاطب بذات المضمون شريحة من الشرائح، أومجموعة من النخب الفكرية ، أو الشعبية ، يحظى خطابه بإهتمام بالغ ، ويؤدي إلى نتائج وآثار تنعكس على محيا السامعين رضىً ، وبحسن استيعاب ،واستقبال، ويكون السبب في ذلك بأن هذا الأخير، يتمتع بمهارات الأداء ،وصفاء الصوت، ووضوح العبارة ، لحرصه ، ومحافظته على درجة الإتصال العالية مع الذين يخاطبهم.
وقد يفشل المدرس في توصيل المادة للطلاب بالرغم من غزارة علمه، ونبوغه في التخصص الذي جعل منه أستاذاً، وخوَّله بأن يقف ليصبح معلِّماً للأجيال، ولكن للأسف ، يُردُّ عدم إستيعاب الطلاب لما يقول، وما درسهم إليه من دروس ، إلى الطريقة المفتقرة لمهارات التدريس ، وهي عنصر من العناصر التي أصبحت علماً يسمى في كليات التربية ( مناهج وطرق التدريس).
والكلمات ـ قد تكون ميتة بلا روح ، عندما تنطلق من ألسنة تعوزهاالفصاحة ، وتفتقر للمبين والصريح ، وما يمكن أن نطلق عليه بأنه قول مستوعب ، ومفهوم.
كما أن هناك كلمات لا روح فيها ، إما بسبب ضعف مضمونها ، وغموض معانيها، أو بفعل الذي يقولها ، وتنقصه رباطة الجأش، ووضوح العبارة ، أو لذبذبة الأداء ، أو لإحساس السامعين بأن محدثهم لا يؤمن بما يقول ، وعندئذ ،تتحول الكلمات إلى وضع يغلب عليه الموت ، وتغيب عنه معالم وسمات الحياة.
ويقول شهيد الإسلام سيد قطب بأن كلماتنا تظل عرائس من الشمع، حتى إذا متنا في سبيلها دبت فيها الروح ، وكتبت لها الحياة.
والفرق شاسع بين الذي يكتب شعراً ، أو يروي قصة من نسج الخيال، ولاعلاقة لها بما يجري من واقع ، ومفكر عانى في سبيل نشر فكرته فلقيه العنت والنصب وواجه المخمصة ، إذ أن هذا الأخير لا يكتب كلمة إلا وتدب في ثناياها الروح ، و لو بعد حين، وما يصدِّق هذا القول سوى رواج فكر الشهيد سيد قطب بعد استشهاده، وهو الأمر الذي جعل من كتاباته ، في ظلال القرآن،
ومعالم في الطريق ، ونحو مجتمع إسلامي ، وغيرها هي المادة الفكرية والثقافية لطلائع الزحف الإسلامي وبعث الأمة ، بعد موات حل بها من جديد.
وتبقى كلمات القرآن حية في صدور الرجال ، وفي واقع الحياة ، ومصدر الفلاح ، وعنصر الإنتصار ، بالرغم من قدم تاريخ نزولها على محمد بن عبدالله رسول هذه الأمة ، عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.
والاستجابة لكلام الله وتنزيله ، هي إستجابة لما يحي ولا يميت ، ذلك لأن كلمات الحق لا تموت ، ولكن الذين يموتون هم أدعياء الحق ، وليس دعاته.
وموت الكلمات يتأبط دائماً أولئك الذين يقولون الحق لكنهم يريدون به تمكين الباطل، وهؤلاء لا تختفي ، أو تغيب معالمهم على فطن ، أو عاقل ،ذلك لأن أخص خصائصهم تتمثل في لحن القول، وهم كذلك أولئك الذين يقولون قولاً بالليل فيمحوه النهار والعياذ بالله .