تحويلات المغتربين في مصيدة « النصابين» !

مصطفى محكر

تأشيرة دخول : مصطفى محكر

فجأة أرتفعت الأصوات داخل مكتب أشبه بصالات السيارات وسط السوق العربي ، وتداخلت الأصوات المطالبة بتسليمها مبالغ مالية معلومة ، قبل أن يطل شاب من الخارج ، ويبدأ في طمأنة المحتجين ، بأن كل شخص سيتسلم المبالغ المحولة له بعد ثلاثة أيام والذي يملك حسابا بنكيا سيتم التحويل له الآن .. تهدأ الأصوات قليلا ، وترفض حكاية «التحويل البنكي «..تمضي أيام ثلاثة بلياليها ، ويختفي ذلك الشاب الذي لا يملك في المكتب غير «طاولة» صغيرة حولها ثلاثة كراسي مهترئة .. ويظل هؤلاء القوم في رحلة بحث لاتعرف طريق الشرطة ولا مرجعية تعيد لهم حقوقهم ، فالذي يتولى التحويلات في السعودية ، مجرد أسم وحساب، كثيرون لا يعرفون غير هاتفه الذي ظل «مغلقا» .
هذه الحكاية تتصل بما يدور في مواقع التواصل الاجتماعي ، عن شخص يعمل في منطقة «بقيق» شرقي السعودية ، أختفى بعد أن أستولى على مبلغ «2 مليون ريال» عبارة عن تحويلات المغتربين « وتشير الرسائل المتداولة الى أسمه صريحا والمنطقة التي يقطن فيها بالسودان ، غير أنهم لا يستطيعون فعل أكثر من ذلك فالجهات الأمنية في السعودية لا يمكن إبلاغها بالقصة باعتبارأن ماتم كله يقع في دائرة» المحظور».. ولا جهات أمنية في السودان يمكن الاستعانة بها .. ليبقى الضحايا وحدهم لايمكلون غير الدعاء ، بأن تعود لهم حقوقهم المنهوبة ..وقد تمكن هذا الشخص من القيام بسلسلة من التطمينات وهو يحول بمبالغ تفوق كل ما يمكن أن يمنحه السوق الموازي ، وقد ظل ملتزما بالتسليم الفوري ، حتى أتسعت دائرة الوثوق به ، وحينما وصل الى هدفه أختفى .. كما أختفى وكيله في السودان!.
في وقت سابق حدثت قصص مماثلة الا أنها كانت محدودة ، وحتى الأشخاص غير مجهولين ، لتبقى مجرد مطالبات وتسويات ، غالبا ما تتم دون اللجوء الى الجهات الأمنية المختصة .
الذي غذى هذه الظاهرة هو ضيق « مواعين الحكومة» التي عجزت تماما عن إستيعاب عائدات المغتربين ، وأبقتها فقط مجرد تصريحات يتبادلها بعض مسؤولي القطاع الاقتصادي ، دون أن تصبح هذه التحويلات أمرا واقعا.. وبعيدا عن عسر التحويلات البنكية من منطقة الخليج العربي ، لم تقدم الحكومة أية حوافز حقيقية تجعل المغتربين يصطفون أمام البنوك من أجل هذه التحويلات .. ويبقى الحديث عن رفع سعر الدولار داخل البنك المركزي مجرد حديث لا يقنع حتى الذي أتخذ القرار، فالسوق الموازي يظل الأعلى كعبا.
صحيح حدثت حالات « نصب» مؤلمة ولكنها لن تهزم السوق الموازي ، فلا تزال هناك أعداد كبيرة من الموثوقين الذين يقومون بالمهمة ، ولكن إذا عرفت الحكومة كيف تتعاطى مع واقع المغتربين ، وأطلعت على أفكارهم وخططهم ، وربطت التحويلات بحافز يتصل بإعفاءات وتخفيضات جمركية ، وتمويل عقاري ، بخلاف التمويل العقيم الذي أعلن عنه أخيرا ، فإن هذه التحويلات سوف تنساب عبر البنوك السودانية ، وقبل كل ذلك على الحكومة أن تذلل بالتعاون مع دول الخليج عثرات التحويلات.