مواسير السودان ومواسير أمريكا

(1)
طال عهدي بنظام الضبط القضائي في السودان، ولشدّ ما أتمنى ان تكون تلك المواد الجائرة، التي تحتّم القبض على أي مواطن وايداعه حراسات المخافر بسبب أية دعوى كيدية يمكن ان يدعيها مواطن آخر، قد تمت معالجتها بما يحفظ كرامة الانسان السوداني.
قبل سنوات اختلف احد اقربائي واحتدّ مع أحدهم في شأن تجاري، فاغتاظ هذا الاخير وقادته الموجدة الى احد اقسام الشرطة،حيث فتح بلاغاً يتهم فيه قريبي بخيانة الامانة، وزعم انه التوى عليه بمبلغ من المال. ثم جاءت الشرطة واقتادت المسكين بعد ظهر يوم الخميس. وظل ذووه يبحثون عنه حتى وجدوه في حراسة الشرطة قبيل ساعات من صبيحة السبت!
لاحقاً اتضح أنه لم تكن هناك أمانة ولا اموال ولا بطيخ، وان قريبي هذا لم يسبق له الدخول مع صاحب البلاغ في اي تعاملات مالية. واحترت في هذا الامر وسألت: طالما ان الامر كذلك فما هو العقاب الذي سينتظر ذلك المدعي الذي افترى على الرجل وتسبب في ابقائه داخل زنازين الحراسة ليومين كاملين؟ قيل لي: لن يحدث له اي شئ. واين هو في الاساس؟ فقد اختفى بين ثنايا الهواء ولم تسع الشرطة اليه اصلاً. ثم علمت بعدها ان هذا النوع من الممارسات معتاد في السودان!
سألت وقتها الاستاذ عبد المحمود الحاج صالح، وزير العدل الاسبق، عن معنى ومغزى هذا النوع من القوانين التي تخبط الناس خبط عشواء. وكان رده ان هذه التشريعات تم وضعها في زمان قديم كان السوادنة فيه يتجولون على ظهور الرواحل. فإذا تم فتح بلاغ ضد شخص ولم تقم الشرطة بالتحفظ عليه في التو والساعة فقد يمتطي المطلوب ظهر راحلته ويختفى في سهول ووديان ليست لها خرائط ولا عناوين!
(2)
أقول أتمني ان تكون مثل هذه المواد قد اميطت عن القوانين بعد أن رأيت شنارها وخبرت عوارها. ولكنني في ذات الوقت وجدت نفسي أقف متحيراً أمام دعوى جريئة خرج بها القاضي السابق الاستاذ سيف الدولة حمدنا الله في مقال له منشور قبل عدة أسابيع، وجوهرها ضرورة إلغاء المواد التي تقضي بحبس المدين المعسر عند ظهور عجزه عن الوفاء بالدين.
ودعوى حبيبنا سيف الدولة لا تقتصر على حالات الفقراء من الغارمين، ولو اقتصرت عليها لما اخذت منا الحيرة مأخذها. ولكنه يمضى قدماً فينادي بأن تكف الدولة يدها وسلطتها عن شؤون التعاقدات والتعاملات المالية بين الافراد. ويستتبع ذلك بالضرورة ان تخرج المنازعات حول قضايا الشيكات المرتدة من ولاية القانون، وتصبح شأناً شخصيا بين المتنازعين.
يقرر صاحبنا ان القاعدة في القانون هي أن التعاملات المالية بين التجار أوالأفراد شأنٌ خاص. وأن التحقق من الملاءمة المالية للمدين ومقدرته على الوفاء همٌّ لا شأن للدولة به. وانه يقع قصراً وحصراً على الدائن الذي يتحمل وحده نتائج سوء تقديره بترتيب دينه على الشخص الخطأ.
ويقطع في حيثياته بأن التطبيق القانوني الذي يكرس عبارة:(يبقى بالحراسة لحين السداد) لا يعدو ان يكون عبثاً يمجّه الفكر الحقوقي السليم ولا تعرفه الدول المحترمة. وان العقلية التي شرعت هذه القاعدة في السودان تخالف العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية الذي ينص في مادته الحادية عشرة على عدم جواز سجن الشخص بسبب عجزه عن الوفاء بالتزام تعاقدي.
وأتصور ان هناك تلالاً من التحديات والمصاعب العملية تنتصب لتسد الطريق امام قاطرة القاضي سيف الدولة. ولكنني في ذات الوقت أكاد أرى بعيني رأسي جرثومة الحق تمور في أحشاء دعواه.
(3)
في الولايات المتحدة لا يمكن ان تُنتزع حرية انسان فيودع في غيابات السجون بسبب إخفاقه في مقابلة التزام مالي. اقصى ما يقوم به القضاء الامريكي هو (التحكيم)، فيقرر ان خصمك ملزم بأن يوفيك دينه ثم يخلي بينك وبين الخصم.ولكن الضرر الاكبر الذي يقع على الخصم المدان في الحالة الامريكية هو ان موقفه المالي الذي يستبين من قرار المحاكم يتم رصده بواسطة شركات رصد الموقف الائتماني او ما يعرف في امريكا بتقييم مستوى الملاءة الائتمانية للفرد (credit score). ويؤدي الى هبوط الرقم الخاص بالمدان، وبالتالي يصعب بل يستحيل عليه الحصول على قروض مستقبلا من اى جهة تمويلية.
ولهذا فإن الاحتيال والالتواء بحقوق الاخرين في المجتمع الامريكي رياضة بالغة الخطر، لأن النظام المالي العام عند هؤلاء الفرنجة مركب بإحكام شديد، ومصاغ على نحو يأخذ بخناق المحتال والملتوي وصاحب الذمة الواسعة،فيقذف بهم الى خارج (السيستم)، حيث شظف العيش على أرصفة الهامش.
معنى ذلك على أرض الواقع انك لن تحصل على مسكن، لا بالشراء ولا بالكراء. ولن يكون بإمكانك ان تقترب من بنك او وكالة لشراء او تأجير السيارات. ولن يمنحك ممول بطاقة ائتمان، في بلد لا تصلح الحياة فيه بغير ائتمان. واين فرص العمل المحترم؟وأغلب قطاعات الاعمال واجهزة الدولة اليوم لا توظف أحدا الا بعد مراجعة ملفه الائتماني،بحيث يتم الاستيثاق من سلامة ذمته المالية؟ وكل ابن انثى في هذا البلد له ملف ائتماني تديره ثلاث شركات اخطبوطية متخصصة!
باختصار، إذا اردت الحياة بين ظهراني هؤلاء الفرنجة المساخيط فلا سبيل امامك غير الاقتداء والالتزام بالحديث الشريف الذي اخرجه مسلم: «قل آمنت بالله ثم استقم».
وأهلي من السوادنة أولى من الفرنجة بحديث الاستقامة.
استقيموا، تكونوا في حراسة الله .. لحين السداد!