حوارات الدستور (6)

إن أكبر القضايا التى يجب أن يرسم الدستور خارطة الطريق لمقاربة إشكالياتها التخطيطية و معالجة مشكلاتها العملية هى قضية التنمية الإجتماعية والإقتصادية. فما وضعت الدساتير وما صنعت إلا للنهوض بالمجتمعات إجتماعيا وإقتصاديا ولتنمية فكرها الجمعى وطاقاتها البشرية لإستثمار طاقات بلادها المادية لتحقيق التنمية الشاملة إجتماعيا وإقتصاديا. وما نشأت المؤسسات السياسية ولا منحت السلطات الدستورية إلا لتخطيط السياسات وتنفيذ الإستراتيجيات والخطط لتمكين المجتمع من تنمية قدراته وطاقاته للنهوض بدولته، وأبراز حضوره التاريخى بين الأمم. فالدستور هو الموجه الأول لإستراتيجية النهوض بالمجتمع وبالدولة. والإنسان منفردا ومجتمعاً هو محور هذه النهضة المبتغاة.
التعليم رافعة القدرات البشرية:
لئن كان الإنسان هو محور النهضة فإن أولى أولويات الدستور هو التنصيص والتنظيم للحق الانسانى فى التعليم، وفى الحصول على المعلومات التى ترتقى بقدراته وتضاعف طاقاته على العمل والإنجاز، ثم تحصيل عائدة ذلك رفاهة ورفعة إجتماعية ومدنية. فالتعليم هو المتغير الذي تتبعه سائر المتغيرات الأخري لأن التعليم والتعلم هما ما يرتقي بالحياة . ويحيل الفرد الي شخص راشد واثق قادر علي تنمية وسائل الحياة ومعانيها . والتعليم والتعلم ليس لهما حد يبتدئان منه ولا قصد ينتهيان اليه. وقد ورد في الأثر أطلبوا العلم من المهد الي اللحد . وورد ايضاً اطلبوا العلم ولو في الصين . والصين ههنا رمز لأبعد المسافة والمراد لا زمان للتعلم . فكل زمان فسحة للتعلم ولا مكان بعيد علي طلب العلم فكل المسافة والمساحة ساحة لطلب العلم. والتعليم والتعلم نسق واحد. ولذلك فانه بامكاننا ان نتحدث عن تعليم نظامي ولكن التعليم لا يقف عند الأطر المدرسية والإعلامية والإليكترونية ليشمل كل جهد لايصال معلومة نافعة لعقل متنبه.
والتعليم هو عملية توصيل العلم ،اما التعلم فهي قدرة الفرد علي اكتساب معلومات ومعارف جديدة والمواءمة بينها لتشكل رؤيته لذاته وللآخرين وللكون وللحياة. واكبر أهداف التعليم هو تعزيز القدرة علي التعلم والقدرة علي التفكير الناضج الراشد. ولكن التعليم يتجاوز ذلك الي تحقيق مقاصد تربوية . تهدف الي تعزيز تفاعلية وفاعلية الفرد داخل المجتمع الذي يعيش فيه والثقافة التي يتأطر ذلك المجتمع في مثالاتها وامتثالاتها. والتعليم بخلاف التعلم اجتماعي الطابع . فهو علاقة بين معلم ومتعلم . وهو معياري مثالي لأن المعلم يختار ما يراه حسناً او نافعاً او صالحاً ليعلمه للمتعلم . وما هو حسن ونافع وصالح له قيم تتأثر الي مدى بعيد بالثقافة والقيم الاجتماعية والحضارية في المجتمع المخصوص. أما التعلم فملكة فردية الطابع تتأثر بالهوية الذاتية لكل متعلم. وهدف التعليم هو امداد المتعلم بالموسوعية أي سعة الادارك واتساع الأفق ، بما ينهض أساساً على المهارات التعبيرية والقدرة الرياضية والمعارف العلمية «الاحيائية والطبيعية ومعرفة علم العناصر» والثقافة والفنون والسياسة والشؤون العامة . وأهم من ذلك كله القدرة علي التحليل والتركيب والتخليق الذهني والعملي. وعندما يقال هذا رجل او امرأة متعلمة فإن الصورة الذهنية التي تتفتق في تصور المخاطب هي لشخص يحوز طائفة من المعارف , دمث وحسن التهذيب . قادر علي التعبير والافصاح شفاهة وكتابة . متابع للشؤون العامة في المجتمع والسياسة . وقادر علي حل الاشكالات الذهنية والمشكلات العملية، متذوق وربما مبدع للفنون والموسيقي والشعر , وربما يتحدث بأكثر لغة . فمطلوب التعليم هو تعزيز الشخصية الواثقة الفاعلة المقتدرة . ولاشك أن الوصل الوثيق بين التعليم والتعلم وانتشار هذا المفهوم في فلسفة التعليم المعاصرة سببه التعويل أكثر علي الجهد الذاتي في التعلم . واستحثاث الرغبة في الاستزادة من العلم بوصفها أفضل وسيلة لتحقيق أفضل النتائج في توسيع وتعميق دائرة معارف الأفراد. فلم يعد النظر للتعليم وكأنه تلقين للمعارف للناشئة . وربما اجبارهم لهم علي استظهارها . باعتبارها ضرورة من ضرورات الاستعداد للحياة الناضجة بل اصبح التعليم ينظر اليه بوصفة تعزيزاً لرغبة وقدرة الناشئة علي التعلم. والتطور الذاتي المستظهر باسناد الآخرين ومساعدتهم . والتعليم الجيد هو الرافعة التي ترفع الأمة الي مراقى النهضة وسبل التقدم، فلئن كان الناس يشتكون من التأخر الحضاري والتخلف العلمي والتقني مما يورث الامة عجزاً اقتصادياً . ويعرض سيادتها لاستئساد الأمم القوية فأنه لا سبيل لاكتساب القوة والمنعة الا بالتعليم الجيد. وفي مداولات الدستور المقبلة ربما يحتاج الناس للحديث عن توسيع التعليم . واستكمال الاستيعاب ليغطي كل التلاميذ في عمر الدراسة النظامية . وربما يسهب البعض فيتحدثون عن الاجلاس والبيئة المدرسية وغير ذلك . وكل هذا مهم ولا يمكن اغفاله فى السياسات والتشريعات دون الدستور وربما يستحسن البعض الإشارة إليه فى الدستور على نحو ما، ولكن مركز السجال والتداول ينبغي ان يكون عن جودة التعليم . وجودة التعليم ليست متصلة اتصالاً وثيقاً بالضرورة ببيئة المدرسة أو الأجلاس ولاشك ان ذلك يؤثر فيها . ولكن ما يؤثر تأثيراً بالغاً فى جودة التعليم هو ثلاثية «المعلمون -المتعلمون – المنهج» . هذه الثلاثية يتوجب ان تكون موضع التركيز والتفكير العميق . وان تحظى بالمقاربات الذكية والحلول المبدعة العملية.
ونقصد بالمعلمين الشركاء في عملية التعليم . وأول هؤلاء المعلمون بالمدرسة ثم المعلمون عبر الوسائط التعليمية التي تعزز جهد الاسرة والمدرسة معاً ثم الأسرة. ونعني بالمتعلمين التلاميذ بالتعليم العام والطلاب بالجامعات والمتلقين للعلم عبر المسافة من هؤلاء وممن سواهم من غير مرتادي المدارس او الجامعات . ونعني بالمنهج محتواه وطرائقه ووسائطه وبالمحتوى نعني مادته اللغوية او الرياضية او العلمية او النشاط المتصل بذلك كله . وبطرائقه نعني أسلوبه في توصيل المعلومات والمعارف وتشكيل المفهومات وتعزيز الخبرات والقدرات. ولا شك ان ذلك كله يتوجب أن يتدرج في فلسفة هادية ورؤية موحدة واستراتيجية معتمدة للتعليم العام والعالي. ولاشك ان معارف الآخرين وخبراتهم ستكون عظيمة الفائدة لدي التداول حول تطوير جودة التعليم . بيد أن ما نريده نحن يتوجب أن يأتي اولاً . ونعني بما نريده نحن ما يلائم معتقداتنا وثقافتنا واحوالنا النفسية والمزاجية والاجتماعية . واوضاعنا الراهنة. فليس هنا تطبيق جاهز للاستخدام في تطوير جودة التعليم . وان وجد فسيكون مثل زرع الأعضاء في جسم انسان قبل ملائمتها له ابتداءً. فليس ما أجدي في بلد ما بقادر علي تحقيق ذات النتائج في بلد آخر . ولعل أهم التطورات في نظريات التعليم المحدثة هي ملاحظتها للفروق والاستعدادات وتعويلها علي استجاشة العبقرية الخاصة لكل فرد من الأفراد بله أمة من الأمم. وفى حسابى وحسبانى أن الإهتمام بالتعليم فى إطار التوجهات و الأحكام الدستورية لابد أن يبدو جلياً فإن التعليم هو معمل تطوير القدرات الانساية والتعلم هو آليتها المستمرة من المهد إلى اللحد.
الغذاء والصحة مع التعليم يداً بيد:
وقوة التعليم هى قوة للأذهان وللأبدان ، ولابد لأيما إستراتيجية للنهضة أن تكون إستراتيجية لتوسيع التعليم وتجويده، ومكافحة الفقر ومحاربته لمقاربة الإستعاب الكامل للقوة البشرية فى التعليم ومقاربة التشغيل الكامل لقوة العمل التى ينتجها التعليم الجيد في السودان «نسبة البطالة حسب تعداد 2008 هى 16.8% ثم بالتفكير فى كيفية زيادة الطاقة والقدرة علي العمل مع تحسين الوضع الغذائي والصحي من جهة. وبناء القدرة علي العمل من الجهة الأخرى من خلال التعليم والتدريب.
إن الفقر الريفي هو الفقر الأوسع «تقول الإحصاءات ان نسبة الفقر 57% من الأسر الفقيرة بينما الفقر الحضري 26.5% لذلك فإن المعركة الأساس مع الفقر هي معركة التنمية الريفية». وبخاصة في مجال تطوير الإنتاج الغذائي وتحسين الثقافة الغذائية وتسريع الرعاية الصحية الأولية، وذلك يدا بيد مع التعليم والتدريب. ولا شك أن معظم الأسر غير المتعلمة تقطن في الريف كما أن معظم التسرب من التعليم يقع هنالك . ولا تكاد توجد أية وسائل أو وسائط تنشط في التدريب والتأهيل علي أداء العمل في الأرياف السودانية سواء كان ذلك في بيئة الزراعة أو بيئة الرعي. إن أية إستراتيجية للنهضة الاقتصادية لابد لها من الانطلاق من أسفل إلي اعلى ، وهذا يعنى أن ترتكز علي مفاهيم تسعى للتشغيل الكثيف للسكان ومحاربة البطالة . والاقتراب من هدف التشغيل الكامل للقوي المهيأة للعمل وتسعى في ذات الوقت لرفع ناتج العمل من خلال مضاعفة الإنتاجية إضعافا مضاعفة . «فالإنتاجية في السودان سواء كانت زراعية أو صناعية تقع في ادني درجات السلم». وهذا يعنى التركيز علي التعليم ذى البعد الوظيفى التطبيقى الذي يهدف إلي تعليم أهل الأرياف كيف يؤدون الأعمال علي الوجه الأمثل «نو هاو» بيد أن نقص الطاقة «بسبب نقص الغذاء» ونقص المعرفة «بسبب نقص التعليم» ليسا وحدهما المسئولان عن ضعف التشغيل في الأرياف وضعف الإنتاجية فيها. فالموارد الأساس مثل توفر المياه للزراعة أو الرعي عنصر آخر. ولئن كان توجه الحكومة نحو السدود وحصاد المياه يمثل تحركاً في الاتجاه الصحيح فان تسريع الحركة ومضاعفتها باتجاه تحقيق الاستقرار للرعاة وتوفير المياه للزراعة يتوجب أن يحتل مركزاً متقدماً في أولويات الدولة. وتحقيق الاستقرار للرعاة بتوفير المياه سيدخل الإنتاج الحيواني دائرة الاقتصاد الفاعل. ذلك أن الاستقرار سيولد احتياجات جديدة ويصنع استهلاكاً متصاعداً مما يغير في التقاليد والمفاهيم الاجتماعية والاقتصادية المرتبطة بمهنة الإنتاج الحيوانى ، فتتضاعف الإنتاجية القابلة للتداول الاقتصادي وللتصدير. كذلك فان إقامة السدود وتوسيع عمليات حصاد المياه سيوسع الرقعة الزراعية بصورة تنقلها من الاقتصاد الكفائى إلي الاقتصاد النقدى. لابد من أن تشمل نقاشات الدستور كل ذلك وأما كيف نعبر عنه فى متن الدستور من بعد ذلك فأمر آخر
العدالة المالية صنو العدالة الإقتصادية:
ومثلما أن توفير بعض الموارد كالمياه يشكل ضرورة قصوى للتنمية الريفية. فان إخراج أهل الريف من دائرة المحرومين من الائتمان والتمويل المصرفي يجب أن يصبح هدفاً مهماً لتسريع التنمية الريفية. فمن المعلوم أن 15% فقط من أهل السودان يتعاملون مع المصارف ربما أقل . وأن اقل من نصف هؤلاء فقط هم من يحظون بخدمات التمويل والائتمان المصرفى . بينما نسبة 80% من النسبة المحرومة من تلك الخدمات تعيش فى الأرياف الزراعية أو الرعوية. وعواقب مثل هذه الحقائق لا شك ستكون مريرة. فان أي عمل اقتصادى يقتضى قدراً من المال يتجاوز الحاجات الاستهلاكية المباشرة. ولذلك فلابد من إستراتيجية قومية عاجلة بالاستفادة من التجارب العالمية لإخراج الغالبية المحرومة من دائرة الحرمان التمويلي. وهنالك تجارب ناجحة في بلدان العالم الثالث مثل بنغلاديش والفلبين وكينيا. والبلدان النامية مثل البرازيل والهند في مجال المضاعفة السريعة لإعداد المتعاملين مع المصارف من خلال تجارب الصرف الاليكترونى ونقاط البيع واستخدام الموبايل لانجاز الخدمات المصرفية. ولأئن كانت سياسة الدولة تضاعف إهتماما بالدفع الإليكترونى فى هذه الأونة وبخاصة استخدام الهاتف السيار لربط الشرائح الفقيرة بالمصارف ،يتوجب توفير خدمات التمويل والتأمين للفقراء من خلال الوصل بين «التمويل الأصغر» وتكنولوجيا المعلومات ووسائط الاتصالات . وقد أظهر السودان اهتماماً كبيراً بالتمويل الأصغر إلي الدرجة التي مضى فيها لإنشاء مجلس أعلى برئاسة رئيس الجمهورية. بيد أنه لا تزال توجد عوائق كثيرة ومسعى واهن للمعالجة
ولا شك أن توسيع الخدمات المصرفية من خلال التمويل الاصغر واستخدام الهاتف السيار المصرفى سوف يضاعف عدد المتعاملين مع المصارف . ويزيد عدد المستفيدين من خدمات الائتمان والتمويل المصرفي. والتجربة الكينية أثبتت أن عدد المتعاملين مع المصارف قفز في ثلاثة أعوام من الفترة من 2006 ـ 2009 من 15% الي 70% . وإذا أستطعنا في السودان أن نحقق مثل هذا النجاح فان خيره سيكون عميماً علي النظام المصرفي وعلي فقراء المواطنين في آن واحد. إن قضية العدالة الإجتماعية والإقتصادية يجب أن تحتل مركز الصدارة فى حوارات صناعة الدستور ويجب أن تجد التعبير المناسب عنها فى نصوصه التوجيهية والتشريعية وربما لا يشار إلى كل تفصيل أشرنا إليه ولكن تلزم الاشارة الدستورية التى تجعل مثل هذه التوجهات والتشريعات قلادة معلقة فى أعناق السلطات التشريعية والتنفيذية من بعد.