القسط : في الحياة

«1»
يعتبر القسط أساس الدين وأساس الشرع وأساس الخلق في الكون كله ، يتوجب على الانسان في ذات نفسه وعلاقاته بالآخرين وعلاقاته بمجموعته ،
يقول تعالى (يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَآءِ للّهِ وَلَوْ عَلَىَ أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً فَاللّهُ أَوْلَىَ بِهِمَا فَلاَ تَتّبِعُواْ الْهَوَىَ أَن تَعْدِلُواْ) «النساء 135» وهذه صفة لازمة لاهل الإيمان ان يكون القسط اساس أمرهم كله ، والقسط يعني العدل ، في كل أمر  ، ليس بين المؤمنين وحدهم وانما حتى في علاقاتهم بالاخرين ، ذلك ان القيم والمعاني في الاسلام لا تتجزأ .
يقول تعالى (يَا أَيّهَآ الّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوّامِينَ للّهِ شُهَدَآءَ بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىَ أَلاّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتّقْوَىَ) «المائدة 8» فان العدل حتى مع من يعادوننا ، فهذه دلالة التقوى ووقار الدين في القلب ، بل يدعونا الى البر والاحسان بأهل الملل الاخرى .
قال تعالى (لاّ يَنْهَاكُمُ اللّهُ عَنِ الّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرّوهُمْ وَتُقْسِطُوَاْ إِلَيْهِمْ إِنّ اللّهَ يُحِبّ الْمُقْسِطِينَ) «الممتحنة 8».
وربط الله القسط بنواميس الكون والحياة حيث السماء رفعت على قسطاس وموازين دقيقة ، قال تعالى (وَالسّمَآءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ. أَلاّ تَطْغَوْاْ فِي الْمِيزَانِ. وَأَقِيمُواْ الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلاَ تُخْسِرُواْ الْمِيزَانَ) «الرحمن 7: 9» وهي ذات الموازين التي نقف امام الله سبحانه وتعالى ، حيث تضع الموازين العادلة ، وننتظر رحمة الله ولطفه وشفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال تعالى
(وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبّةٍ مّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَىَ بِنَا حَاسِبِينَ) «الأنبياء 47» .
وقد حدثنا الرسول صلى الله عليه وسلم عن فضل المقسطين ، عن عبد الله بن عمرو- رضي الله عنهما- أنّه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إنّ المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرّحمن- عزّ وجلّ- وكلتا يديه يمين، الّذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا».
«2»
ولقد كان اساس دعوة نبي الله شعيب الى قومه مدين في اقامة القسط ووفاء الكيل ،
(وَيا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ) «85» ، وإن من العدل والقسط عدم بخس الناس في اشيائهم ، فلسنا معنيين بتحديد كسب الناس ومواقفهم ومحاكمة نواياهم ، قال تعالى :
(قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ) «29» .
وعن أبي موسى الأشعريّ- رضي الله عنه- أنّه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إنّ من إجلال الله إكرام ذي الشّيبة المسلم، وحامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه، وإكرام ذي السّلطان المقسط» ، اللهم المقسط ، الطف بنا وتولنا بلطفك يا كريم.