رحلة عودة

في رحلة العودة ، بالمواصلات العامة ، اضطررت للولوج الى داخل الحافلة من النافذة ، اكتشفت ان «الطول عز» ، وان بعض النحافة مفيدة ! بعد ان هبطت بعون اذرع بذلت وسعها لدفعي من مؤخرتي ، شكرت من صنع «الجينز» ! حينما استقر بي المجلس ، تربعت اعيد هندامي ، الطقس الحار غسلني بعرق مالح ، اطلقت قبضتي عن الهاتف ، جهزت نقد «الكمساري» ، انتبهت لشابة تهمس لي ان «احجز» لها بجواري ، مدت حقيبة يد تخيرت لها مقعدا .
زجرني احدهم محتجا لان هذا الفعل غياظ او كما قال ، تعلمت في مثل هذه المخاشنات ان «انطم» سكوتا ، بعد دقائق كان الجميع قد اكمل جلوسه بمن فيهم «المحجوز» لها ، توقفنا لنصف ساعة ، اختلط تضجرنا مع فحيح مسجل يرسل حزمة اغان مشكلة ، مع صراخ طفل ، ومشاجرة بين رجلين على خلفية تنبيه «ما تقعد عديل « ، شاب خلفي اقام مخاطبة اكثر فيها من شتم الشعب حتى اني شعرت برغبة في الرد ثم اكتفيت بالسعال ! عجوز بسمت نقابي تحسر على الخرطوم «زمان» .
كل هذا يحدث وقمصان القوم تخلت عن برتكول الاغلاق ، بفعل التدافع او لطلب نسمة هواء ، ناشد جالس في مقعد الشهيد السائق بان يتحرك ، خاطبه بلقب استاذ ، يقصد السائق ! الذي نظر للسائل بحنق ثم صاح في «الكمساري» اخلصها يا ولد ، انسل الصبي مطرقعا محددا فئة ، هاج القوم زجرهم السائق خلاص ما راجعين ، فوجموا ، قال الشاب الخطيب ، هذا استغلال لظروف البلد ! فرقع قوله فوق صمتنا ، والمتحصل ينسل مثل افعي ، يجمع حزم النقد باصابع ذات دربة ، لم ينقص منها لجاج مع سيدة تخاشن معها وتواقح .
كانت قد اجلست نفسها في مقعد ووضعت صبية على حجرها ورفضت ان تدفع قيمة مقعدين ، امتد التلاسن فدخلت لزجر الفتى ان «يحترم نفسه» هم برد القول لي ثم سكت فسكت ، حينما تحركت المركبة وغشينا موج الهواء خيم صمت مقلق ، احسست ان اي منا كانت له شواغله التي انكب عليها ، الفتاة بجواري تلقت مكالمة ، تحاشت الرد مرتين ، لكن بعد ومضة الاتصال العاشر اضطرت لفك لزوجة من يلاحقها ، اجتهدت في كتم صوتها وهي ترد على «هيثم» انا في المواصلات ، خش واتس ، كررتها مرتين فانصاع «هيثم» وانصاع راكب مجاور لها لحظت انه كان يرمي رأسه على هاتفها مع كل رسالة ، تنبهت وقتها الى ان لى واتس كذلك ، عكفت عليه اراجع محتواه ، ثم تركت الامر حينما لاحظت ان من يجاورني ربما يقتله الفضول مما اقرأ .
الفنان الفج الصوت كان صوته يتعالي ، هزات الحفر والمطبات ضاعفت ألمنا ، وضعت نظري على الطريق ، ارقب الاضواء وسطح النيل الذي برز فوق الاضواء المنعكسة جميلا ساكنا ، هبطت السيدة ام الصبية امام السلاح الطبي ، نزلت بحرص وهي تتلقف بنتها ، وهي تقول، الحمد لله وصلنا ، ان شاء الله نلقى الحوادث شغالة ، شعرت بشكل ما ان الكمساري غشيته حالة تعاطف ، اعان الصبية ، انزلها لحضن امها ، وهو يقول معليش يا حاجة ، ليقفز الى زاوية عند الباب جلس ساهما ، لسبب ما شعرت انه قال اعتذاره بصدق ، كان كلما تلتقي عيني على عينه يبرق حزنه الذي غطى وجهه النحيل ، تحاشاني اكتفي برمق الظلام وعابرات الانوار ، كمن يدس خطيئة تحت عابر الاسفلت الذي تأكله سرعة السيارة.