الأمن الثقافي السوداني بين يدي واشنطون.ماهي حقيقة الفنان الأمريكي الذي اشترى أغنيات سودانية بحجة إعادة توزيعها وتسجيلها؟

الخرطوم:محفوظ عابدين

جاء في الصحف المحلية امس ان الفنان السوداني المعروف ابو عبيدة حسن صاحب الأغنيات الجميلة والرقيقة والحاضرة في ذهن المستمع السوداني ،انه قام ببيع عدد من أغانيه لفنان أمريكي وصاحب شركة انتاج فني ، ليقوم باعادة توزيعها موسيقيا ،وتسجيلها وتقديمها من جديد ، وقال الفنان ابوعبيدة حسن ان الفنان الامريكي قد زاره في بيته بصحبة مدير أعماله «سوداني» وقام بكافة الاجراءات القانونية لذلك ، وجاء في الخبر ان الفنان الامريكي زار عددا من الفنانين والموسيقيين وتوصل معهم على توزيع وتسجيل أغنياتهم ومن بينهم الملحن المعروف عماد يوسف الذي تنازل له عن عدد من ألحانه .
والمعروف ان الفنان ابوعبيدة حسن قد مر بضائقة مالية صعبة وظروف صحية دعته الى عرض اغنياته للبيع للفنانين السودانيين ، وتوقع البعض ان يتسابق عدد من الفنانين الشباب من ذوي الأصوات المميزة على هذا العرض السخي الذي قدمه الفنان ابوعبيدة حسن ، وجاء عرض بيع عدد من الاغنيات التي طالما رددها الشعب السوداني مع الفنان ابوعبيدة حسن ، وكان هذا العرض ببيع بعض من هذه الاغنيات الخالدة في تاريخ الأغنية السودانية ان يجد مزيدا من التنافس بين الفنانين الكبار والصغار لما تحمل اغنيات الفنان ابوعبيدة حسن من حالة تطريبية مميزة ، خاصة بعد الحلقة التي قدمها الاستاذ السر قدور في برنامجه الأشهر في شهر رمضان « أغاني وأغاني» وقدم مجموعة الفنانين الشباب الذين يستضيفهم البرنامج عددا من أغانيه في تلك الحلقة التي كان الفنان اابوعبيدة حسن حضورا متألقا يردد مع هؤلاء الشباب أعذب واجمل اللحان التي اجادت قريحته في تقديمها الذي اجتذب الالاف من المعجبين .
وخبر بيع عدد من أغنيات الفنان ابوعبيدة حسن لفنان أمريكي ليعيد توزيعها وتسجيلها من جديد وعرضها بصورة مختلفة عن سابق وضعها المحفور في ذاكرة الشعب السوداني .
ان أمر هذا الفنان الامريكي يحتاج لمزيد من الفحص والدراسة ، ولماذا بدأ بالفن السوداني ؟ وهل الأمر متعلق بهوية الفن السوداني ،وسلمه الخماسي ؟ وهل اعادة التوزيع للأغاني وتسجيلها هو نوع من التحديث ام هو نوع من طمس الهوية ؟ وهل هذا الامر متعارف عليه عالميا ؟ ، وهل القانون السوداني يسمح بهذا البيع كهذا دون اي اجراءات متبعة لنقل ملكية وحقوق الملكية الفكرية الى مالك غير السوداني ؟ ان قانون الملكية يقر ان الابداع السوداني في مجال الغناء بالذات يكون ملكا للشعب السوداني بعد مرور خمسين عاما من وفاة الفنان وقبل ذلك يكون الأمر بيد الورثة المعروفين وفق الاعلام الشرعي الصادر من السلطة القضائية ،والذي يحدد الورثة في كل ما ترك الراحل من انتاج مادي وعيني وفني .
هنالك الكثير من النماذج في مثل هذه العمليات الفنية او المتعلقة بالارث السوداني في مجال الابداع الانساني، ومن بين هذه التجارب الفنية التجربة الكورية في توزيع بعض الأغنيات السودانية من خلال تجربة معهد الموسيقى والمسرح قبل ان يتحول لكلية تابعة لجامعة السودان للعلوم والتنكولوجيا ، وهنالك ايضا تجربة البعثات الاوربية التي تساهم في ترميم الاثار السودانية وتشارك في الاستكشافات الجديدة وتعيد قراءة بعض الرموز والكتابات الموجودة في الأثار المكتشفة حديثا ، وان تلك البعثات الفرنسية والسويسرية وغيرها تعمل وفق اجراءات دون ان يكون لها اثر سلبي على طبيعة عملها في الابداع السوداني الاول في العصور المروية .
ان المكتنزات الثقافية يجب ان تكون محفوظة للاجيال القادمة باعتبارها جزءا من حضارته ويجب الحفاظ عليها من اي محاولات لطمسها بدواع اعادة التوزيع والتسجيل ، ويجب ان لا نفرط في الأمن الثقافي السوداني ،لان الثقافة تعتبر جزءًا مهمًا وحيويًا من الحضارة وانعكاسًا لمعنى الحياة في مراحلها المختلفة وشكلها المتغير من مكان لآخر، وتبعاً لهذ المفهوم تعتبر الثقافة قوة لا يستهان بها في الشؤون العالمية والعلاقات بين الأمم وبعضها البعض، فيكفي أنها المفهوم الأوسع والأشمل لأشكال هامة ومختلفة من مناحي الحياة وممارستها اليومية كما أنها تتضمن أعمالا وموجودات مختلفة تعكس بكل تأكيد حضارات الشعوب وفكرهم المبدع سواء كانت معابد أو متاحف أو آثارًا أو فنونًا، بالإضافة إلى الإعلام بكل روافده الأخرى الهامة الذي يشكل جانبًا ثقافيًا مهمًا ومؤثرًا في رسم السياسات وتحديد الأولويات وأسلوب الأداء، مما يجعل الوصف الأقرب للثقافة أنها الحروف التي بها نكتب تاريخنا البشري. من هذا التعريف يجب علينا الانتباه ، والنظر الى كل خطوة بأبعادها المختلفة ، حتى لاتأتي ساعة نندم على كل أجراء كان يجب ان نقوم به، ولم نفعل .