طرق روما

أذكر سهرة إذاعية اسمها قمم في العيد ، اظنها من إعداد الأستاذ عبد العظيم عوض وتقديمه ، بثت ذات مساء بعيد مضى قبل سنوات ، فيما يلي ايام اتفاقية السلام نيفاشا ، كان ضيفها ومحور عرضها الدكتور لوكا بيونق ، اظنه كان حينها وزير رئاسة مجلس الوزراء ، حينما كان «عبد العظيم» يكمل زوايا البحث عن شخصية الضيف علم ان للوكا ، ود مشجن مع اغاني الموسيقار محمد الامين ، فاختير الفنان القامة ليكون من ضمن عناصر السهرة ، واتى «ود اللمين « في تلك الصرامة الشاهرة للاناقة ، وانضباط العظماء .
وحضر «لوكا» خالعا غشاء السلطة ليجلس كسوداني يحكي ويوثق و»يتونس» واظهر في الجلسة شخصية «سودانوية» لم تخامر بساطتها سنوات العراك السياسي والعسكري ، او مرارات التجوال بين المنافي والغابات والوقوف بين ارصفة الموت والنجاة ، كان «لوكا « نجم السهرة وبطلها بكل تأكيد وقد شد الأسماع وسار بالمتابعين عبر تعرجات المحاور حتى تمنى كثيرون ألا تنتهي. قلت يومها في مقال مشهود انه حتى لو انفصل الجنوب فان امثال هذا الرجل سيجعلون الجنوب بلدا امتدادا للسودان القديم ، وحتما طاش سهم توقعي بعد ذاك العيد بسنوات رأيت الرجل جاثيا في كنيسة الفاتيكان يصلي للسلام من اجل اهله يبذل النذور يغمس الخبز في النبيذ للجم الدم المسفوح ، واظنه لا يزال هناك يذكر المسيح وحتما «ود الامين» وسنوات الحب الاربع !.
ومثل لوكا ولكن في ثمانينات القرن الماضي ، كان سجينا بسجن الابيض – معتقلا سياسيا- تقول روايات متضاربة انه اعتقل اشتباها في «شيوعي» رغم ان الشاب النحيل كان اسلاميا ملتزما ، جره تطابق اسم في منطقة كل الناس فيها بين حامد ومحمد ومحمود الى غيابت السجن ، كان الرجل هو محمد حامد ادم ، الذي تسربت منه قصاصة حررها شعرا الى الفنان عبد الرحمن عبد الله ، الذي سارع بتوقيع اللحن وصدف والشاعر مسجون ان أتى المطرب الكردفاني الرمز لحي في حمة السجن فغني «صبرك لحظة واحدة» او ما ذاع لاحقا واشتهر بضابط السجن الذي كان الرائد وقتها يحيى ساتى، اتي عبد الرحمن عبد الله للحي المجاور للسجن .
عادة يبتهل السجناء حدث مماثل لاستراق السمع والانصات وربما بعض الشغب المرح ، ووقف بينهم محمد حامد ادم و أحد اصدقائه من النزلاء كان البلوم يصدح
صبرك لحظة واحدة يا ضابط السجن
إتزوّد بنظرة وأرجع إتسجن
خمسة شهور طويلة،،مرّت ليلة،ليلة
ودمعة شوق هميلة،ورا الدمعة الهميلة و»خمسة شهور طويلة مرت ليلة ليلة « وليس خمس سنين كما يقول البعض ، صاح سجين له علم من كتاب القصيدة بالحضور والمعايشة «هي دي ما قصيدتك» فكان البلوم يقول مقطع ويرد السجناء يكملون النص ، لاحقا خرج محمد حامد ادم ، وتنقل بين التعليم والاذاعة والميل «40 « ، ربما نسيه اناس وذكره غيرهم لكن «ضابط السجن» بقيت رغم ان قصيدة اخرى لشاعر مغاير تقول و»لا السجان باق» ، محمد حامد مثل لوكا ، لزم خافت الضوء ، مثل عبد الرحمن عبد الله يقاوم الارهاق والتعب وربما يقيم طقسا خاص بالدعاء ، مثل عشرات الإسلاميين ، يبدو ان كل المشروعات تمضي الى روما.