الكتابة للمستقبل: بين السرد والشاشة

آن الصافي

سلسلة أفلام جيمس بوند «700» بدأت بفكرة كتبها المؤلف إيان فلمنغ Ian Fleming في عام 1953م عبر أول رواية كازينو رويال. كتب فلمنغ عدة روايات وقصص قصيرة من بطولة بوند خلال حياته حتى مماته في 1964م، ثم تابع التأليف الأدبي لروايات ومغامرات بوند كل من كينغسلي أميس Kingsley Amis «الاسم المستعار روبرت مارخام»، جون بيرسون، جون غاردنر، ريموند بينسن وتشارلي هيغسون. إضافة لعدة كتاب كتبوا مغامرات بوند للإنتاج السينمائي مثل كريستوفر وود، إلا ان شهرة بوند الحقيقية تحققت بشكل أساسي عن طريق السينما من خلال ثلاثة وعشرين فيلماً من إنتاج إي أو أن برودكشنز EON Productions بالإضافة لإنتاجين سينمائيين مستقلين ومسلسل أمريكي مستمد من روابات فلمنغ.
وعمل المؤلف فعلياً في جهاز المخابارات البريطانية في فترة من حياته، جعله يعشق العمل المخابراتي مما حدا به إلى كتابة رواية مليئة بالاكشن لبطل بريطاني اطلق عليه اسم «جيمس بوند» ويبدو ان القصة قد راقت للملايين فراح يكمل السلسلة بعدد من المغامرات التي تحبس الأنفاس للشخصية. وقد اقتبس «فيلمنج» الاسم من كتاب يدعى «طيور جاميكا» «المصدر: ويكبيديا».
نشاهد كل فيلم من هذه السلسلة ونحن في قمة التأكد بأن البطل لن يموت، ومع ذلك تشدنا المشاهد المليئة بالإثارة والحركة، والكثير من التطبيقات العلمية في شتى المجالات توظف بشكل يزيدنا دهشة.
هذه النوعية من القصص بها إبداع حقيقي وهي بعيدة تماماً عن الكتابة والأفلام الوثائقية.
الكتابات التي تعرض أحداث حقبة عاصرها كاتبها أو غيره ويقوم بنشرها عبر منتوج تحت مسمى عمل سردي روائي، لو أنه فطن لمعنى أن السرد ليس كتابة تقريرية وليس مقالاً صحفياً، ولو أنه توجه للكتابة الوثائقية لوضع جهده في الموطن السليم.
منذ عقود هناك نقل بين مشاهد الكتابة الروائية والشاشة حتى يظن الكثير من المتابعين والمهتمين أن الشاشة «سينما وتلفاز» ستسحب البساط عن الرواية والقصة المنشورة بلفت وشد انتباه المتلقي للشاشة، عبر الدراما وتوظيف تقنيات عوالمها، بشكل ينقل الحدث بإدهاش ومتعة بصرية وصوتية قد لا يتقن الكاتب إحداثه عبر الكتابة السردية. بينما هناك من يعمل جهده في الكتابة السردية لينقل التفاصيل بحيث وكأنه ييسر نقل عمله للشاشة.
الأعمال الروائية التي عرضت على شاشات اقليمنا العربي بالطبع وجدت نصيباً جيداً للوصول إلى شرائح متنوعة وعريضة من الجمهور المتلقي، وبأعداد ما توفرت عبر قراء النص المنشور. وقد نذهب لوصف هذا الانتشار بالنجاح الجماهيري. وعلينا أن نرى أن المخرج وفريق عمله والأدوات التقنية المستخدمة والشخوص المؤدية وجميع التفاصيل التي وظفت لنقل العمل قد أسهمت في نقل النص المكتوب عبر الـ «السيناريو» الذي بدوره انتقل من النص الروائي إلى مشاهد مجزأة حسبما ارتأى العاملون على المنجز الدرامي.
قد يحمل العمل الدرامي «مسرح، سينما، تلفاز» النص الروائي لجمهور قد يرى ذات النص برؤى مختلفة وجماليات قد تفوق ما عرضه الكاتب عبر النص الروائي، وقد تنقص منه وقد تحمله معاني جديدة وتضيف إلى فكرته مغايرات ما ذهب إليها الكاتب. ونماذج عدة تعكس هذه المسألة: رواية آنا كرنينا لتلستوي، نقلت عدة مرات للسينما في بعضها نجد هناك أتت برؤى جديدة لذات النص وبعضها كان نقل باجتهاد موفق، وبعضها عكس الفكرة ولم ينقل بعض التفاصيل الدقيقة للنص الادبي.
ولا يعني أبداً النجاح الجماهيري للعمل الدرامي نجاح النص الروائي، ولا يعني تفوق العمل الروائي نجاح العمل الدرامي المحاكي أو المنقول بتصرف على أية وجهة. وكلا العالمين له خصوصياته وجمالياته، وبين الرواية والدراما نجد المتلقي الذي يفضل أن يقرأ وآخر يفضل المشاهدة بعين المخرج وما ينقله من النص المكتوب إلى الشاشة، وهناك من يتابع كلاهما ويستمتع بعوالم المكتوب والمجسد واضعاً بوعي الفرق بينهما.
ويحسب للمشهد الأدبي والثقافي أن يظهر على أرضنا من هم مثل بل أفضل من المبدع غيان فلمنغ وعبقرية تلستوي الروائية وعمالقة الفن السابع والشاشة الفضية، فقط علينا أن نعي مسألة الفرق بين الكتابة السردية وأدواتها والكتابة التقريرية بغرض التوثيق والمقال. ومن جهة أخرى، ليكن منهجنا الموازي لتحديد ماذا نكتب ولمن وكيف أن نسعى بشكل دؤوب لقراءة معطيات هذه العصر وآثاره على وعي وتفكير وعقلية المتلقي الذي بكبسة زر ينتقل عبر الشاشة لما يشد انتباهه من جماليات الصورة والصوت وتقنيات العلم وتوظيفها لصنع المشاهد بتوالٍ يحقق مواصلة المتابعة، وإحداث الدهشة وعنصر المفاجأة والتفكير أو سلبه.