اعتذار مصر عن الاجتماعات الفنية للسد. دلالات وأبعــــاد

الخرطوم: الصحافة
اعتذرت الحكومة المصرية امس عن حضور اجتماعات اللجنة الفنية ، وابلغت اثيوبيا الوفد السوداني امس عن الموقف المصري ، بينما كان الجانب السوداني يتهيأ للسفر الي اديس ابابا ، وكانت اثيوبيا قد ابلغت السودان عن انعقاد اجتماع يومي 13- 14 مايو باديس ابابا .
و اكدت مصادر باديس ابابا ان اثيوبيا تلقت اعتذارا مصريا عن اجتماع للجنة الفنية الثلاثية والذي دعت له اثيوبيا يومي 13- 14 مايو باديس ابابا ، وهو اجتماع يسبق الاجتماع الموسع الذي يشارك فيه وزراء الخارجية والموارد المائية وقادة المخابرات في الدول الثلاث يوم 15 مايو.
واشار خبراء للاحداث عن ان نجاح اجتماع الوزراء يعتمد بقدر كبير علي اجتماع اللجنة الفنية والذي كان يمكن ان يرتب ويضيق شقة اختلاف وجهات النظر ، خاصة وان اجتماع الوزراء ليوم واحد فقط .
وجاء الاجتماع بناء علي مقترح السودان بان تجتمع اللجان الفنية اولا ، قبل يومين من اجتماع اللجنة التساعية ومناقشة القضايا الخلافية ووضع مقترحات المعالجة ، وقد وافقت الاطراف علي مقترح السودان ، وفجأة تراجعت مصر عن حضور الاجتماع ، فماهي دلالات ذلك وأبعاده؟ .
ان المقترح السوداني يستند الي جملة من الحقائق ، واولها ، ان طبيعة المناقشات فنية وتتناول دراسات خبراء متخصصة ، وافضل من يدلي فيها برأي هم الخبراء والفنيون من الدول الثلاث ، حيث ان مناقشات الاستشاري تتناول الاثار البيئية والاقتصادية والاجتماعية للسد ودراسة كيفية ملء السد وتشغيله ، وهذه قضايا تمثل اهتمام الفنيين ، اكثر من الوزراء بطابعهم السياسي او الأمني ، وثانيا : فان المفاوضات في هذه القضايا تستنزف وقتا طويلا ، مما يقتضي دراسات معمقة ، بينما اجتماع اللجنة التساعية يستمر يوما واحدا ، وكما حدث في محادثات الخرطوم ، وفي اجتماع الخرطوم الذي استمر لمدة 16 ساعة ، كان الارهاق قد نال من الجميع في ختام اللقاءات ،وانتهي الاجتماع دون توقيع.
ان هذه المسارات تعتبر الخطوات الاساسية للوصول لاتفاق ، فلماذا يتهرب الجانب المصري من المناقشات ، ان المؤشرات تشير الي جملة من الوقائع :
اولا : ان مصر تسعي دائما لتأسيس منبر خارجي ، فقد اقترحت في وقت ما ، مشاركة البنك الدولي في التفاوض ، وقبل ايام اعلن وزير الخارجية المصري سامح شكري ، ان دولتي السودان ومصر هما سبب فشل محادثات النهضة ، وقد تحدث الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مع الرئيس اليوغندي يوري موسفيني ، كما هناك تحركات كشفتها مصادر مطلعة عن زيارة قام بها وزير الموارد المائية د.محمد عبد العاطي لجنوب السودان التقي خلالها بالرئيس سلفاكير ميارديت ، فيما زار وزير الخارجية المصري دولة يوغندا عقب اجتماع وزراء الموارد المائية واللجنة الفنية في اديس ابابا في 5 مايو الماضي. مراقبون وصفوا التحركات الدبلوماسية المصرية بأنها محاولة ايجاد حلول لقضية سد النهضة بعيدا عن المسار الفني الذي يجمع الدول الثلاث مصر واثيوبيا والسودان ، فهل تسعي مصر الي فرض تدخل خارجي .
وثانيا : ان اعلان المباديء في مارس 2015 م قد اقر حق كل دولة في الاستفادة من حقها ، دون الاضرار بالاخرين ، وهذا مسار تسعي اليه كل هذه الدول ، والبحث في التحقق من ذلك يتم من خلال حوارات فنية ودراسات ميدانية وليس من خلال تسويق سياسي لاجندة اخري لا علاقة لها بالروح الايجابية بين البلدان الثلاث .
وثالثا : ان 85% من واردات مياه النيل ، من النيل الازرق وروافده في الهضبة الاثيوبية ، والدول الثلاث السودان واثيوبيا ومصر معنية بقضية سد النهضة ، فلماذا تسعي مصر الي تجاوز هذا الواقع من خلال التفاف سياسي ، والبحث عن حلول بعيدا عن المنطقة والاقليم.
ورابعا : فقد ابدت وزارة الموارد المائية والري والكهرباء السودانية في بيان لها الاسبوع الماضي أسفها من تصريحات وزير الخارجية المصري سامح شكري ، حيث قال الوزير «ان مباحثات أديس أبابا لم تتجاوز التعثر في سد النهضة»، وهذه من التصريحات النادرة والتي تجيء هذه المرة علي لسان شخصية رسمية وليس من خلال وسائل الاعلام المصرية، ومن وزير الخارجية وليس وزير الري والموارد المائية .
ان اصدار اتهام ضد طرفين من جملة ثلاثة ، يعتبر أمراً محيراً ، إلا إذا كان الطرف المصري يسعي إلي ابراز الأمر وكأنه استهداف ، والبحث عن طرف ثالث.
ومع كل ذلك فان مراجعة التصريح بجملته ربما يعبر عن الرؤية المصرية في استصحاب الإعلام والرأي العام المحلي والدولي كجزء من منظومة التفاوض..
وتشير المصادر، إلي أن الأطراف الثلاثة قد اتفقت علي كل النقاط في اجتماع اللجنة التساعية في الخرطوم ، ولم يبق سوي التوقيع علي الاتفاق ، وقد طلبت أثيوبيا تسجيل تحفظها علي اتفاقية 1959م بين السودان ومصر وهو امر لا خلاف حوله ، وتم نقاش حول تأجيل الأمر إلي الاجتماع اللاحق في القاهرة ، وقبل اكتمال المشاورات، نهض وزير الخارجية المصري سامح شكري وغادر قاعة الاجتماعات ، وانتهت الجلسة دون توقيع ، فهل تتهرب مصر من التوقيع علي الاتفاق وتسعي لكسب الوقت لان لديها خيارات اخري؟.
وأياً كانت الحقيقة ، فإن التصريح أعلاه ، ينبغي ان تتم قراءته مع التحركات المصرية الراهنة والتي تشير إلي أن القاهرة تسعي إلي مكاسب أكبر من مجرد الاطمئنان علي سد النهضة وصولاً إلي الحصول علي امتيازات مائية أخري..
والدلالة علي ذلك إن الاتهامات المصرية ترد – دائماً – بين يدي موقف اقليمي أو دولي ، ودون تحديد نقاط الخلاف وان اسباب التعثر ذات صبغة مصرية ..
لقد قطعت مفاوضات سد النهضة شوطا بعيدا ، وتم تجاوز القضايا الكبري من خلال التفاوض ، ومع وجود روح ايجابية ، وقناعات بضرورة الحوار فان الافضل هو السير قدما في هذا المسار ، وهذه المنطقة لا تحتمل اي مزايدة سياسية او اضطرابات أمنية ، وهذه الدول تمثل 60% من سكان دول حوض النيل ، ويبلغ تعدادهم 240 مليون نسمة ، ومن الاوفق الدخول في مفاوضات جدية وبقلب مفتوح ونوايا طيبة تحقق مصالح شعوب المنطقة.