الوقوف على أرضية المسامير الصدئة

٭ في المدرسة الأولية كنا نسمع وننادي بنات الناظر وبت المفتش بت الوكيل وبت الضابط.. وفي الحي أيضاً، حي الموظفين ومرة الباشكاتب ومرة المهندس ومرة الأفندي ومن بيوت الأعراس نسمع أغاني البنات.. المهندس جاء ورسم البناء والبنات ضباط وعروسنا قائد الجيش والدكاترة ولاده الهناء والماشي باريس جيب لي معاك عريس شرطاً يكون لبيس ومن هيئة التدريس.
٭ هؤلاء وغيرهم من الموظفين والمهنيين والمزارعين وصغار التجار.. كانوا يشكلون الطبقة الوسطى الطبقة العريضة.. صانعة الأحداث والبوتقة التي تنصهر فيها مقومات المجتمع الأخلاقية.
٭ الطبقة التي ظلت تشكل صمام الأمان وتحافظ على التوازن وعلى قيم التكافل والتكافؤ والسلام الاجتماعي وتخرج العباقرة في شتى ميادين الحياة وتشكل محطات أمل المستقبل.
٭ كان السلم الاجتماعي يبدأ سليماً ومتصالحاً مع التعلق بالعلم والمعرفة كمفتاح لأبواب المجد والمكانة الرفيعة الاستاذ الجامعي هو قمة الهرم الاجتماعي أو بالأصح المعرفة والتعليم أولاً.. لكن ولعن الله لكن هذه.. إلى أين ذهبت هذه الطبقة.. إلى أين ذهبت الطبقة الوسطى بحالها اختفت من الحياة السودانية وبقى جوف الحياة فارغاً.. هناك هوة سحيقة أقلية تكاد تموت تخمة وأغلبية تكاد تموت جوعاً.
٭ نعم الاحساس بالغبن وقهر الحاجة والخوف من المستقبل هو ما تعيشه الأسرة المتوسطة بكامل أفرادها وهذا الاحساس المسيطر ينعكس على لغة الحوار الذي بات عنيفاً بين الأزواج وبين الاخوة بعضهم البعض وبين الآباء والأبناء وبين الجيران وبين الزملاء في مكان العمل.. وفي الشارع العام وفي المواصلات والأسواق.. والصحف تحدثنا عن الذي طعن أخيه بسبب ولاعة والذي قتل صديقه بسبب لعب الكتشينة والذي ذبح طليقته من الأذن للأذن.
٭ نعم مطالب الحياة الضرورية داخل الأسرة المتوسطة أصبحت كثيرة ومستحيلة قالت طالبة لزميلتها التي أتت للجامعة من أحد الأقاليم فتحي مخك واتلحلحي تحلي مشاكلك.. امتلأت زميلتها بالوسواس المحير بين الانحراف وبين الاصرار على تحصيل العلم في واقع لئيم كيف تحصل العلم وهي مشردة وجائعة وبائسة ومقهورة يقهرها العجز عن الايفاء بمطالب السكن ومصاريف الجامعة والاعاشة وهي بت الموظف الكبير.
٭ نعم ضاعت الطبقة الوسطى وانفرط العقد الاجتماعي.. يغيب الأب عن البيت كل ساعات النهار من أجل أن يوفر لنفسه فرصة عمل في أكثر من مكان ويرجع البيت مهدود الحيل يشكو الارهاق والحاجة ولا يجد وقتاً ليتعرف على ما يجري داخل الأسرة والأم والأولاد والبنات تحفهم مشاعر الأسى والحسرة والفاقة.
٭ نعم أصبحت الأسرة المتوسطة تقف على أرضية من المسامير الصدئة السامة كل ضروريات الحياة متعثرة.. التعليم الدواء المواصلات حتى نعمة العيش بسبب الغلاء الطاحن أصبحت مرة مرارة العلقم.
٭ ومع هذا تحاول الانشغال بأمور لا ترقي لأهمية الذي يواجه البنية الاجتماعية من عوامل الخلخلة التي تهدد السلام الاجتماعي وتهدد الأخلاق والقيم.. كلنا عيوننا في الفيل ونطعن في الظل.
هذا مع تحياتي وشكري