صيام اللّسان

د.عائض القرني

للّسان صيامٌ خاصّ يعرفه الذين هم عن اللغو معرضون، وصيام اللسان دائم، في رمضان وفي غير رمضان، ولكنّ اللسان في رمضان يتهذّب ويتأدّب، صحّ عنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ أنه قال لمعاذ رضي الله عنه: «كُفَّ عليك هذا». وأشار إلى لسانه، فقال معاذ: أوَ إنا لمؤاخذون بما نتكلم به يا رسول الله؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «ثكلَتْك أمك يا معاذ، وهل يكبّ الناسَ في النار على وجوههم إلا حصائدُ ألسنتهم؟».
ضرَر اللسان عظيم، وخطره جسيم، وكان أبو بكر الصديق ـ رضي الله عنه ـ يأخذ بلسانه ويبكي، ويقول: «هذا أوردَني الموارد».
اللسان سبع ضار، وثعبان ينهش، ونار تلتهب.
* لسانك لا تذكُرْ به عورة امرئ – فكلّك عوراتٌ ولِلنّاس ألسُنُ.
* ابن عباس رضي الله عنهما يقول للسانه: «يا لسان قل خيراً تغنمْ، أو اسكت عن شرٍّ تسلَمْ».
رحم الله مسلماً حبس لسانه عن الخنا، وقيّده عن الغيبة، ومنعه من اللّغو، وحبسه عن الحرام.
رحم الله من حاسب ألفاظه، ورعى ألحاظه، وأدّب منطقه، ووزن كلامه.
يقول تبارك اسمه: «مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ» (ق: 18). فكلّ لفظة محفوظة، وكلّ كلمة محسوبة «وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ» (فصلت: من الآية 46). صحّ عنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ أنه قال: «من يضمنْ لي ما بين لَحْيَيْه وما بين فخذيه أضمنْ له الجنّةَ».
* احذرْ لسانك أيّها الإنسانُ – لا يلدغنّك إنّه ثعبانُ
* واللهِ إنّ الموتَ زلّة لفظةٍ – فيها الهلاك وكلّها خسرانُ
* لمّا تأدّب السلف الصالح بأدب الكتاب والسنّة وَزَنوا ألفاظهم، واحترموا كلامهم؛ فكان نطقهم ذكراً، ونظرُهم عبراً، وصمتهم فكراً.
ولمّا خاف الأبرار من لقاء الواحد القهّار أعملوا الألسنة في ذكره وشكره، وكفّوا عن الخنا والبذاء والهراء.
قال ابن مسعود ـ رضي الله عنه: «واللهِ ما في الأرض أحقّ بطول حبسٍ من لسان».
يريد الصالحون الكلام، فيذكرون تبعاته وعقوباته ونتائجه؛ فيصمتون.
كيف يصوم من أطلق للسانه العنان؟ كيف يصوم من لعب به لسانه، وخدعه كلامه، وغرّه منطقه؟ كيف يصوم من كذب واغتاب، وأكثر الشتم والسباب، ونسي يوم الحساب؟ كيف يصوم من شهد الزور، ولم يكفّ عن الشرور؟.
صحّ عنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ أنه قال: «المسلم من سَلِم المسلمون من لسانه ويده». وهل الإسلام إلا عمل وتطبيق، ومنهج وانقياد، وسلوك وامتثال؟؟.
يقول جل اسمه: «وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ» (الإسراء: من الآية 53). والتي هي أحسن: اللفظ المؤدّب الجميل البديع الذي لا يجرح هيئة ولا شخصاً، ولا عرض مسلم، ولا ينال من كرامة المؤمن.
يقول عز وجل: «وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ» (الحجرات: من الآية 12). كم من صائم أفسدَ صومَه فسادُ لسانه، وسوءُ منطقه، واختلالُ لفظه! ليس المقصود من الصيام الجوع والظمأ، بل التهذيب والتأديب.
في اللسان أكثر من عشرة أمراض إذا لم يُتحكّم فيه. فمن عيوبه: الكذب، والغيبة، والنميمة، والبذاءة، والسبّ، والفحش، والزور، واللّعن، والسخرية، والاستهزاء، وغيرها.
رُبّ كلمةٍ هوى بها صاحبُها في النار على وجهه، أطلقها بلا عنان، وسرّحها بلا زِمام، وأرسلها بلا خِطام. اللسان طريقٌ للخير، وسبيلٌ للشر، فيا لَقُرّة عين مَن ذكر اللهَ به، واستغفر وحمد، وسبّح وشكر وتاب، ويا لَخيبة مَن هتك به الأعراض، وجرح به الحرمات، وثَلَم به القِيَم.
يا أيها الصائمون! رطّبوا ألسنتكم بالذّكر، وهذّبوها بالتقوى، وطهّروها من المعاصي. اللهم! إنّا نسألك ألسنةً صادقةً، وقلوباً سليمةً، وأخلاقاً مستقيمةً.