ولا نمــــــل التكــــــرار!

«1»
في أمر الكتابات الصحفية من حيث النظر والوصف والتقويم تكثر عند كثير من السوادنة عبارات معينة يدمنون استخدامها، فيقال عند اكمال قراءة مقال لكاتب ما: الكاتب هاجم فلان او الجهة الفلانية، او انه دافع عن فلان او الجهة الفلانية. فأنت عند هؤلاء أما مهاجم او مدافع. وليس هناك أية خيارات في الوسط!
وبعض احبابي من مناضلي الكيبورد في عوالم الأسافير يمطرونني بعبارات من تلك الشاكلة. والعقيدة الرائجة عند هؤلاء هي انني اتخصص في الهجوم على المعارضة وفواجعها، وأغض الطرف عن الحكومة وبلاويها، أما عن رهبة او لمصلحة خاصة. وقد اعتدت ألا اعقب على القوم، وألا أُلق لهم بالاً. بيد أنني كنت عندما تضطرم المواجهات أرسل ردوداً من شاكلة تلك التي بعثت بها قبل يومين لأحد قيادات حزب كبير معارض كتب معلقاً على احدى اعمدتي: «البطل حارق البخور للسلطان». إذ قلت له وللجمع في منبره الواتسابي: «لا غضاضة في حرق البخور، فإنما شأن البخور ان يُحرق. البخور بخوري، وأنا حر، أحرقه لمن أشاء. ولو قدر الله لك ان تنجح في مسعاك لاسقاط النظام، ثم تبوأت المنصب المرموق الذي طالما رنوت اليه، فهذا عهدي بأن أحرق لك عندها من البخور ما يرضيك، فطب نفسا»!
«2»
ولكنني عند الجد ما ترددت قط في أن أمحض الاحباب الحق، وأواليهم بالصدق من أمر موقفي تجاه المشهد السياسي القائم. كنت ولا زلت أقول، ولا اخشى أحدا، فأنا لا اخشى إلا الله: ان حالة التحشيد التي تنتظم صفوف المعارضين باتجاه تهييج الشارع وتعبئته، ودفعه طوعا او قسراً للخروج واشعال فتيل الثورة، بافتعال قضايا صدامية، أما تحت دعاوي مسبوكة سبكاً، او بالنفخ في قضايا حقيقية مسنودة بالواقع بحيث تنتفش فيصح الاعتماد عليها في التحشيد، هذه الحالة التعبوية التهييجية خيار ملتبس وطنياً واخلاقياً، لا يؤيده من يؤيده، غداة يومنا هذا، وهو محبٌّ لهذا الوطن، أمينٌ على ترابه وشعبه.
وعلى حساب التكرار الممل نقول ان النظام القائم يمثل حكومة الامر الواقع في السودان اليوم، والدعوة لاسقاطه كيفما اتفق تعني الدعوة لاسقاط السلطة المركزية، اي سلطة الدولة السودانية. وان سقوط السلطة المركزية دون ان تكون في ايدينا خارطة طريق من اي نوع، ودون حد أدني من التوافق الوطني المختبر بين بنيه، ودون ان نعلم ما ينتظرنا في الجانب الاخر من النفق، خيارٌ لا يصلح لي، ولا لأولادي وبناتي، ولا لأحفادي، لو كتب الله لي أحفاداً يظلهم سماء هذا الوطن الغالي. ولهذا فإن موقفي واضحٌ كالشمس، لا غموض فيه. وهو انني لن أضع توقيعي على كتاب الانتفاضة المزعومة حتي يستبين أمامي الخيط الابيض من الخيط الأسود.
«3»
وعلى حساب التكرار ايضا، وايضا، اقول: لا ينبغي لعاقل، يتمتع بشرف الانتماء لهذا الوطن، ان يقبل باشعال فتيل ثورة تحرق الاخضر واليابس، بينما هناك في الافق، وعلى مد البصر ،حشود حاشدة من مجموعات مسلحة، ومكتظة بالسلاح حتى الاسنان، من قبائل واثنيات واعراق معينة تنتظر سقوط السلطة المركزية بصبر فارغ، وهي تتحرّق وتتمحرق والسلاح في ايديها. والحديث الخافت المذعور عن خلاياها المسلحة النائمة في اطراف العاصمة يدور في مجالس المدن في بهيم الليل. بينما لا تملك القبائل والاثنيات والاعراق في الوسط والشمال النيلي إلا الأغاني والاناشيد والحناجر وسياط البطان. ينشد الواحد منهم «نحن اولاد بلد نقعد نقوم على كيفنا/ وفوق رقاب الناس مسلط سيفنا». ولو انك أحضرت له سيفاً، ناهيك عن بندقية كلاشنكوف، ووضعته بين يديه لهالك انه لا يحسن ان يمسك به دون ان يؤذي نفسه!
ثم وعلى حساب التكرار ايضا، وايضا، وأيضاً اقول: غافلٌ كليل العقل من يظن ان السودان أفضل بأية حال ومعيار من ليبيا أو اليمن أو الصومال أو العراق أو سوريا أو غيرها من البلدان التي انقسمت وتشرذمت، وتفتت فسيسفساؤها شذر مذر.
كلمة واحدة فقط، وليس عندي غيرها: القوى السياسية السودانية التي تجاهر وتفاخر بالتحالف مع متمردي دارفور وحاملي السلاح في جبال النوبة، الذين روعوا تلك الاقاليم الآمنة وأحالوها حقولاً للموت، ثم ركبوا أكباد التاتشرات الى العاصمة عام 2009 غازين فاتحين ليحكموها، وهي ذات القوى التي تحالفت من قبل مع جون قرنق وحركته الشعبية، ووقّعت له صك تقرير المصير في مؤتمر القضايا المصيرية بأسمرا عام 1995، فأخذ منهم الصك، ثم أذلهم وأهانهم وتركهم غرثى في عرض الطريق. وهي ذات القوى التي تسعى اليوم لاشعال فتيل الثورة في الخرطوم، هذه القوى لا تمثل شعب السودان. ولو انها مثلته وأحسنت تمثيله لخرجت اليها جموع الناس وهي تنتدبهم للخروج عاماً بعد عام. فلا يزعمن أحد بعد يومنا هذا انه يمثل شعب السودان. ومن كان يزعم انه يحمل تفويضا من هذا الشعب فليرفعه في الهواء لكي نراه.
الطريق هو الحوار والتوافق الوطني والانتقال السياسي السلمي السلس باتجاه انتخابات حرة ديمقراطية مباشرة ، يرفع فيها شعبنا من يرفع ويخفض فيها من يخفض!