هل نحن مجتمع رعوي؟

زوايا : عماد البليك

يثير الدكتور النور حمد جدلًا في الآونة الأخيرة بأطروحته التي قدمها حول «المجتمع الرعوي» في السودان، وأن هيكلية النظم والتقاليد في الدولة «الحديثة» ? افتراضًا ? لم تغادر مربع «البداوة» الذي يهيمن إلى اليوم على السلوك وأنماط القيم وحركة الحياة.
ولحد كبير فإن ما يطرحه النور حمد صحيح من خلال مراجعة أنساق الحياة في السودان، تلك المظاهر التي تتسم ليس على مستوى السلوك فحسب، بل حتى وسائل الإنتاج وصوره وفهم الاقتصاد، بل أبعد من ذلك المنظور العام لجدوى الإنسان في العالم، إذ كل ذلك يرتبط بهذه الصورة التي تقترب أحيانًا من «اللاتعقلن» وتصبح بالتالي خصمًا ضد تطور المجتمع وسيرته المستقبلية.
إن ما يقدمه النور حمد في هذا الإطار ليس إلا جزءًا طفيفًا من الصورة القاتمة في السودان والذي اصبح لا يساير التطور، ولن نقول «الحداثة»، بإعتبار أن التحديث هو سياق غربي متكامل ومعقد، وبمجرد أن خرج الإنجليز من السودان وقف هذا المشروع اي التحديث، حيث أن الدولة السودانية الحديثة هي إنتاج إنجليزي صرف من خلال تتبع مساراتها المتنوعة.
وفي ظل المشروع الوطني المتعثر ، فإن كافة أشكال الفكر والثقافة والفنون والأفق السياسي، لا تكاد تلاحق المستقبل أو المطلوب من أجل رهان الابتكار والتطور والقفز عن حاجز اللحظة، ويكاد الوطن ان يصبح نسيًا منسيًا من ابنائه جراء الاتجاه نحو قوقعة الذات.
وثمة إشارات كثيفة إلى الفشل الذي دخلته النخبة السودانية، سواء من منصور خالد أو حيدر إبراهيم أو ما يعيد تأكيده اليوم النور حمد في جدليته الأكثر «حداثة»، وهو يقرّب بين صورة الفكرة المفاهيمية والواقع المعاش، بأمثال بسيطة مفهومة لعامة الناس كأنما يعمل شخص ما على اختراق الصفوف ليكون في المقدمة، ما يعكس غاية السلوك.
إن الاتجاه نحو مستقبل هذا البلد يتطلب وعيًا فكريًا عميقًا، يقوم على منهجية تضع في الاعتبار تفكيك كافة صور البلاء والاخفاقات التي حدثت خلال أكثر من قرن، وتراكمت لأكثر من ذلك، لما يصل إلى خمسة قرون من عمر الدولة السودانية التي تصل ما بين نطاق الوسط والشمال النيليي بدرجة أخص، وهذا موضوع أكثر تعقيدًا لا تعالجه مقالة عجولة، يبذل له الكلام والتفكير المطول والقراءات الجديدة لما وراء الحاصل والمتحصل.