حفتر ومسلحو دارفور: «.. وِرْدَ العَشِيّ، إلَيْهِ يَخْلُو المَنهَلُ»

سيف الدين البشير

سيف الدين البشير

منذ مغادرته سجون تشاد نحو منفاه المريب في فرجينيا، ثم بروزه في الساحة الليبية، ظل الجنرال حفتر على قناعة بضعف مقبوليته في ليبيا بحيث يستحيل عليه «ورد النهار» وعندئذٍ فلا مناص من «ورد العشيِّ» متلفعًا بالخطط الظلامية، لتحقيق مبتغاه بالسيطرة على ليبيا، وهو ما يطابق تمامًا مصالح قوى إقليمية وعالميةٍ تحرص على تصعيده تحقيقًا لمصالحها.. أما الهدف القريب فهو فرض واقعٍ على الأرض يصعب تجاوزه في أي تسويةٍ مقبلة.
ورغم تكفل الشركاء الإقليميين والدوليين بتوفير الطيران، فقد مثّل افتقاد الجنرال لقوات كافيةٍ على الأرض أعوص أزماته. وعبر تجاربه الطويلة مع المؤامرات ضد دول الجوار فقد تمثل الحل في استقطاب قوةٍ متفلتةٍ لا تأبه لا بالنظم الدولية ولا الاتفاقيات، وتقدم الخدمة بسخاء لمن يدفع.. قوةٌ تباركها قوى عالمية وتتيح لها المتسع وتترافع عن باطلها في كل محفل، إذن فالحل في مرتزقةٍ من حركات دارفور المسلحة، ومفاتيحها عند أصدقائه القدامى من زمرة القذافي ممن ارتبطوا بدعم الحركات إبان عهده، فقد شهدت طبرق اجتماعًا في منتصف عام 2014 شهده حفتر مع مرتزقة حركات دارفور بتنسيق المقدم محمد أحمد غرس الله والمقدم مبروك حنيش مع مرتزقة آخرين من الجوار الليبي. غني عن القول إن فرنسا تظل حاضرةً في كل ذلك المشهد حتى سيطرة حفتر على الهلال النفطي الليبي.
ويكفي هنا ما يقرره الصحفي الليبي صلاح البكوش خلال حلقة «11/9/2016» من برنامج «ما وراء الخبر» في قناة الجزيرة، وهو يعتبر أن الهجوم على الهلال النفطي جاء بضوء أخضر من دولٍ إقليميةٍ وبتواطؤ فرنسي، وبقوات حركة العدل والمساواة السودانية.
وبالنسبة لحركات دارفور المسلحة فقد كانت تتعجل مغادرة السودان إثر صمود اتفاقية الدوحة، وانتفاء الدعم من جنوب السودان، علاوةً على الضربات التي تلقتها من القوات السودانية.
ووفقًا للتقارير الموثوقة فقد استهلت تلك الحركات التسلل إلى ليبيا مطلع عام 2015 عبر حركة مني أركو مناوي بقيادة القائد العام جابر إسحق وهارون أبوطويلة ورجب جو، ومجموعة عبد الواحد نور وأبرز قادتهم يوسف محمد يوسف كرجكولا، عباس أصيل وآخرين، ومجموعة الوحدة وحركة التحرير والعدالة، وحركة العدل والمساواة مع منشقين من تلك الحركات أو غيرها.
ومن حيث الكم فقد قارب تعداد قوات المرتزقة من حركات دارفور المسلحة ما يقارب 900 مقاتل مع أكثر من مائة من السيارات المسلحة.
وفي أعقاب الاتفاق السياسي بين الأطراف الليبية بمدينة الصخيرات المغربية في 17/12/2015، واعتراض حفتر للاتفاق، قام بتجميع قوات هؤلاء المرتزقة من مواقع انتشارها بالجنوب والجنوب الشرقي «ربيانة، الشعلة، أم الأرانب، مرزق، مرادة» إلى مدينة زلة وتعيين العقيد الليبي عبدالله نور الدين الهمالي مشرفا عليهم بعد إعادة تسليحهم ومنحهم نحو 55 سيارة دفع رباعي بهدف نسف الاتفاق السياسي نهائيًا وتنصيب نفسه حاكما عسكريا على ليبيا.
ولقد تمثلت أبرز عمليات هؤلاء المرتزقة في قفل الطريق البري بين أجدابيا والكفرة مع نهب الممتلكات وعمليات الاختطاف، ونهب الحقول النفطية بمنطقتي السرير وزلة، والنهب بمناطق التعدين الأهلي للذهب على الحدود الليبية، والتنسيق والمشاركة مع شبكات التهريب العاملة في مجال السلاح والمخدرات وتهريب البشر على حدود ليبيا مع السودان وتشاد والنيجر. وبتاريخ 20/9/ 2015 هاجموا مدينة الكفرة بغرض السيطرة عليها، لكن ثوار الكفرة تمكنوا من دحرهم وقتل وأسر بعضهم والاستيلاء على آلياتهم العسكرية.
وحاليًا فإن مجموعات من العدل والمساواة وعبد الواحد وغيرها، تشارك في محور القتال ببنغازي مع قوات حفتر من مقاتلي قوات مجلس شورى بنغازي بمنطقة قنقودة غرب بنغازي.
كما أن تلك القوات المتمركزة بزلة شاركت بصورة رئيسية في احتلال منطقة الهلال النفطي «الزوتينة، البريقة، السدرة، رأس لانوف»، وكانت مشاركتهم تحت قيادة العقيد عبدالله نور الدين الهمالي.
وفي ظل سيطرة حفتر على منطقة الهلال النفطي وما يحظى به من دعمٍ إقليمي ودولي، ليس من المتوقع استغناؤه عنهم، وبالمقابل من غير المتوقع عودتهم لدارفور في ظل ما يجنونه خلال تواجدهم في ليبيا من حيث الفوائد المادية والعينية والملاذ الآمن، وخشية المصير المجهول حال عودتهم.
إن أبرز التأثيرات السالبة لهؤلاء المرتزقة تكمن في تعقيد المشهد السياسي الليبي وإطالة أمد الانقسام السياسي والأمني من خلال مساندتهم أحد الأطراف، وهتك النسيج الاجتماعي الليبي، واتساع عمليات الهجرة غير الشرعية من دول الجوار الليبي إلى ليبيا، ومن ثم لأوروبا عبر شراكتهم مع عصابات وشبكات الهجرة غير الشرعية والجريمة المنظمة. ونهب النفط الليبي من واقع تواجدهم ببعض حقول البترول والموانئ بالشرق الليبي.
إزاء كل ذلك فقدت جوبا تواجد ونشاط هؤلاء المرتزقة بالرفض الواسع من المكونات السياسية والأمنية والاجتماعية الليبية عبر تصريحات معلنةٍ من كافة تلك القطاعات.
أما السيناريو الأخطر وغير المستبعد فهو أن مشاركة متمردي دارفور مرتزقةً في كل من ليبيا وجنوب السودان يمكن أن يمثل نواة قوات مرتزقة تهدد كافة دول الإقليم.