حــــكــــايـــة وراء كــــل حكــــاية

هنالك مفاهيم ومعان تظل ثابتة لعقود من الزمان بل مئات من الاعوام ، دون ان يكون هناك تغيير في معانيها ، لاتحويرا ولاتأويلا ،وتظل على هذا الحال الى ان يأتي امر او شيء لاعلاقة به فيتغير المعنى ويرتبط بالمفهوم الجديد ، كما هو الحال في التغيرات التي تحدث في المجتمع بسبب العوامل المؤثرة من الثقافات الجديدة التي تحدث أثرها في المجتمع ، وبغض النظر بأي المداخل وصلت ،وباي الوسائل او الطرق استطاعت ان تفرض مفردتها وسط المجتمع بهذا المعني الجديد بغير المعنى القديم المتعارف عليه، والناظر الى كل مجتمع ان كان ريفيا او محتضرا لم يسلم من هذا الامر ، والسودان ليس نشازا من تلك المجتمعات ، فهو يتأثر بمن حوله ويؤثر في من حوله ، ولكن قد تختلف نسبة التأثير بالنسبة للطرفين ، وذلك إعتمادا على قوة كل واحد من الاطراف تكون نسبة التأثير أعلى .
والامر الذي قادني الى هذه المقدمة وطرح هذا الموضوع ، هو تغيير المفاهيم والمعاني لبعض الكلمات بتأثير من أصحاب الفعل ، وقد يكون هذا الموضوع محاولة لسبر أغوار جديدة تؤدي الى هذا الامر الذي سنطرحه من خلال هذه المساحة ، وكما أشرت ان الذي قادني الى هذا الامر هو كلمات ارادت بها احدى الشركات المنتجة والمصنعة لسلع الشاى والبن واتخذت اسمها من مكون هاتين السلعتين ، وقد تكون تلك الكلمات التي اختارتها هذه الشركة لتعبر عن عراقة وجودة منتوجها ، ولتكون هذه الكلمات فعلا معبرة تماما لما تريد الشركة ايصاله من خلال الاعلان والذي اصبح بدوره علما وفنا في وقت واحد ، وكما هو معلوم ، أن فن الاعلان له تأثير على الملتقي اي كان وضعها ومكانته وثقافته أو علمه فان الاعلان لابد ان يلقى بظلاله وتأثيره والا يكون قد فشل في رسالته التي من أجلها صمم ان كان تسويقا او غيره ، وان رسخ في الاذهان واصبح جزءا من تعبير الناس ، وظهر ذلك جليا في نسب المبيعات ، فانه يكون قد حقق الهدف الذي من أجله صمم ،وحقق التأثير المطلوب.
والكباية هي إناء لتناول المشروبات ان كانت باردة او ساخنة، ولكنه ارتبط بالمشروبات الساخنة خاصة الشاي ، واهل السودان ارتبطوا بحب الشاي في كثير من مناطق السودان المتفرقة ، وكما هو معروف فان لل«برامكة » طقوس وقواعد لارتشاف الشاي ، وأهلنا في الشمال السودان أرتبطوا بحبهم للشاي «من الاحمر تسعي ومن الابيض أسكت كب».
ومنها أيضا «الشاي في العروق مشاي»
وكما هو باين في العاصمة الخرطوم الانتشار الواسع لستات الشاي ،بل تطور الأمر ليصل الى شارع النيل لتمتد ساعات السمر حوله الى الساعات الاولى من صباح اليوم التالي،
وكباية الشاي ظلت مرتبطة بجلسات الاسر والاصدقاء وكانت دائما شاهدة على كثير من الامور الاجتماعية كانت مناسبة خطوبة او تعارف بين أسرتين ، او حلا لخالفات عائلية او لقاءات الاصدقاء بعد غيبة طويلة بسبب الاغتراب او الدراسة او غيرها ،وبهذا تكون «كباية الشاي» تكون حاضرة لحكايات كثيرة فاضت بها جلسات اجتماعية او حتى رسمية نجد الشاي حاضرا بكل قوة .
واتخذت احدي الصحف المحلية في الخرطوم برنامجا مسائيا في دارها تستضيف فيه ضيفا مختصا في السياسة او الاقتصاد او الرياضة او رمزا من الرموز المجتمع ليتحدث عن قضية معينة ، وقد اتخذت تلك الصحيفة إسما لمنتداها هذا «كباية شاي» ، ليتوأم هذا الواقع مع حكاية وراء كل كباية .
وظلت «الكباية» مرتبطة بالشاي الى وقت كبير ،وحتى الان ،ولكن في فترة من الفترات تحولت «الكباية» الى جزء من ثقافة شاربي الخمور او الكحول ، وقد عزز من تلك الثقافة ما أبرزته ثقافة السينما في ذلك الوقت قبل ان تندثر السينما بفعل التطور الكبير الذي حدث في الفضائيات ،ووسائل الاتصال الاخرى .وبالتالي اندثر ذلك المفهوم والذي حاول ربط «الكباية» بثقافة او بمعنى غير الذي اعتاد عليه الناس ، وكان ذلك الاعلان لتلك الشركة المتخصصة قد أعاد المعنى من غربته «الروحية» ورد إليه «الروح» الى معناه الراسخ والمرتبط ب«الصاموطي»
ويعتبر الشاي واحدا من من أهم وسائل «الضيافة» في المنازل وفي المكاتب وقد يأتي في المرحلة الثانية بعد العصير او الاكل ولكنه لايغيب في حضور الضيف ، وهو ايضا من أرخص الوسائل في مكافحة البرد في الشتاء ، وهو ايضا مجدد للطاقة ومرطب للجسم ، ومنبه لايمكن الاستغناء عنه خاصة لذوي الاعمال التي تتطلب حضورا ذهنيا.