هلا هلا يا عبد الله

(1)
تستحق الرسالة التي تداولتها بعض دوائر المثقفين بعنوان: «رسالة من عبد الله علي إبراهيم إلى المؤتمر السادس للحزب الشيوعي: المثقف والحزب» وقفة تبصّر وتأمّل. وعبد الله ليس من غمار الشيوعيين، وكيف يكون من الغمار واسمه العابد يرتبط بتاريخ الحزب الشيوعي خلال نصف القرن الماضي اوثق رباط؟إذ كان الرجل يهز الحزب ويرزّه وهو في داخله عضوا ملتزماً، ثم ما لبث ان استأنف مسيرته الماجدة في هزّ الحزب ورزّه بعد ان غادره. ودونك، أعزك الله، الشواهد الشاهدة: أنظر الى الحشود من منسوبي الحزب العتيد التي تلاحق اسمه وتطارد مساهماته السياسية والفكرية المنشورة في مواقع الاسفير كل يوم، وكأنها تلاحق العفريت الأزرق، لتنال منه منالها بالمداعاة والتشنيع والشتم الفاضح البذئ.
الذي يقرأ رسالة عبد الله المطولة الى المؤتمر السادس وهو يحكي ويستفيض في اصول وفصول آفة الاستهانة بالمثقف في حزبه، ثم في سائر الاحزاب السودانية، لا تخطئه المواجد ولا تندُّ عنه المضاضة، والمضاضة في اللغة هي التألم من وجع المصيبة.
(2)
ان كنت، اعزك الله، لم تقع على رسالة عبد الله، فهاك مني هذه الفقرة على سبيل المهاداة، وقيل ان الرسول «ص» قبل الهدية، لعلها تفصح في تبيان جانبا من اشكال وطبيعة الهموم التي ناء بها صدر صاحبنا في مسيرته المنكودة مع حزبه:
لم تكن حادثة مصادرة «مسائل في التعليم الحزبي» هي الأولى في التعرض لمثقف حزبي أثناء تأدية واجبه. فقد رفض محمد ابراهيم نُقد، رئيس تحرير الشيوعي، نشر تلخيصي لوثيقة اللجنة المركزية «قضايا ما بعد المؤتمر الرابع» بدون إبداء للأسباب. وهي الوثيقة التي نسخت كثيراً مما ورد في تقرير المؤتمر الرابع «الماركسية وقضايا الثورة السودانية» «1967». وعزّ وجودها وسط الحزب فأردت تعميم المعرفة بها. وأكثر أزمات الحزب في الممارسة والفكر لعقود وإلى يومنا مما يعزي لغياب معارف هذه الوثيقة الغراء من وعي الشيوعيين. ولكن كانت مصادرة «مسائل في التعليم الحزبي « فوق ما احتمل. وانتفض الكاتب في داخلي على الحزب.
المختصر المفيد في أمر مغادرة شيخنا سفينة قومه المراكسة، هو ان رفاقه من بني شوعان لم يحترموا التعاقد بينه وبينهم كما دوّنه ووقعه معه استاذه عبد الخالق محجوب، والعقد شريعة المتعاقدين.
(3)
المتأمل لمسيرة عبد الله يلاحظ ان عبد الخالق وهو الصدر الاعظم والملهم الذي كان الشيوعيون ينادونه كلما حزب امرهم: «ألحقنا يا راشد»، كان يحمل لعبد الله تقديرا مائزاً. آية ذلك ان صاحبنا كان من قلة يتخيّرها الرجل ليسامرها ليلاً، وما ادراك ما سمر ليالي خرطوم الستينيات. والذي يتمادى في تقليب طروس الماضي سيقف عن مناصرة عبد الخالق له في كل مناسبة طرأ فيها نزاع حول تقويم رؤاه الفكرية وانتاجه من الكتابة السياسية المثيرة للجدل، فكان يأمر بنشرها في صحائف الحزب ومطبوعاته بغير ابطاء، في مواجهة آخر مهزوم ينوء بسخط مكتوم.
ثم أن القاضي العسكري عندما استجوب الراحل عبد الخالق، اثناء محاكمات الشجرة الشهيرة عقب اندحار الانقلاب الشيوعي عام 1971، سأله عن وثيقة كانت بين يديه يلوح بها: «هل هذه الورقة بخط يدك»؟ فكان الايجاب هو الاجابة. كانت الورقة تحمل اسماء المرشحين لشغل الوزارات والمراتب الحكومية الرفيعة في حكومة الانقلاب، ومن ضمن الأسماء كان هناك اسم عبدالله علي ابراهيم. دونه عبد الخالق وكيلاً لوزارة الثقافة والاعلام، ولم يكن عبد الله عندها قد بلغ الثلاثين. ونبوغ عبد الله مما حدثت به الركبان، وما كان نبوغ النابغين ليغيب عن نابغة مثل عبد الخالق. هل علمت، أعزك الله، ان عبد الله أنجز كتابه الاشهر «صراع المهدي والعلماء» في سن الرابعة والعشرين، وقيل الثالثة والعشرين؟!
أيجوز ان واغش الغيرة وغلالات الحسد كانوا هم المحرك الفاعل وراء كل الرزايا والبلايا والردة الكبرى التي حاقت بصاحبنا عبر حاجز الزمان بين موت الزعيم عام 1971 ومغادرته مضارب قومه في 1978، وقد فصلها الرجل في رسالته تفصيلا، حتى انطفأ فانوس الشيوعية بين يديه، فزهد فيه ولم يأنس في نفسه الرغبة في اعادة اشعال فتيله؟
(4)
مما روته لي الراحلة العزيزة سعاد ابراهيم احمد أنها كانت قد عادت لتوها من لندن ثم التقت في احدى بيوت الاختفاء في ذات يوم عودتها من عام 1978 المغفور له محمد ابراهيم نقد. قالت سعاد ان نقد اخرج ورقة من جيبه ومدها اليها. فتحت النجمة الزرقاء الوريقة لفورها فكانت خطاب استقالة عبد الله من الحزب الشيوعي.
في صباح اليوم التالي مباشرة ذهبت سعاد الى منزل شقيق عبد الله، المرحوم الزين علي ابراهيم، والتقت زميلها الشيوعي، يحدوها أمل في ان يتراجع العضو المستقيل عن قراره. وكان بينهما حوار تختلف صيغة سعاد عن مجرياته اختلافا طفيفا عن صيغة عبد الله. ولا ضرر. ومهما يكن فإننا نعلم ان سعاد خرجت من ذلك المنزل ضحى يومها ذاك بقلب كسير ووجه تجلله الخيبة.
(5)
الكتابة، كما الصلاة، خيرٌ من النوم. وحسناً فعل شيخنا عبد الله بأن شمر عن ساعده فدون بعضاً من همّه وغمّه وشيئاً من تجربته داخل حزب الطبقة العاملة. وجاهر بشكواه عن شح اصحابه، وعن نهج التسخير والسخرية في لجم المثقفين وتقليم أظافرهم عندهم. لعل هؤلاء الاصحاب يلتمسون في بطن رسالة الشيخ من العظات والعبر ما ينير أمامهم الطريق ويسدد الخطى.