أحزاب ما بعد إجازة مخرجات الحوار الوطني: بين تراجيديا التشظي ودراما التآلف السياسي… والجزر المعزولة والقواعد الشعبية

10-10-2016-07-4

أ.د. بركات موسى الحواتي
أولاً: مدخل:
1-: لا تقوم الديمقراطية وتنهض مماراساتها – بغير وجود الأحزاب الفاعلة فهي أداتها في التعبير عن جوهر التعدد – ويرتبط نجاح الممارسة بـ:
1-1: مرجعية الأحزاب الفكرية ومصداقيتها (الهوة بين الشعار والواقع).
2-1: كفاءة التنظيم وفاعليته دون أن يكون في داخل التنظيم كيان عسكري أو شبه عسكري (مليشيات).
3-1: القواعد الجماهيرية الأمينة على برنامج الحزب.
4-1: مشروعية وشفافية التمويل.
5-1: تمثل الانتخابات الحرة النزيهة شرطا لازما sinquanon للتداول السلمي للسلطة.
2- للأحزاب السياسية – كأي نشاط إنساني آخر – دورة حياة منذ ميلادها إلى مراحل تطويرها وقوتها وازدهارها – إلى مراحل ضعفها ومظاهر تدهورها وتلاشيها (واصابتها بالزهايمر المبكر).
3- تركز الدراسة من خلال ما جاء أعلاه على واقع الأحزاب السياسية السودانية منذ نشأتها – حتى واقعها الماثل (أغسطس 2016م).
ثانياً: الاطار النظري:
ملاحظات أولية:
1-: طرح كثير من أساتذة العلوم السياسية والقانون الدستوري وعلم الاجتماع – تعريفات عديدة لمصطلح الحزب السياسي politicdal party.
1-1: مضى علماء آخرون – إلى الاهتمام – بغير التعريف – إلى ما سموه (بالظاهرة الحزبية) للدلالة ليست فقط على مصطلح الأحزاب السياسية في البلاد المتخلفة under developed country انما على (الكيانات) شبه الحزبية – التي تمارس – بصورة أو بأخرى – مهام الأحزاب السياسية (لاحظ فيما بعد – ما اطلقت عليه الادارة البريطانية في السودان – ابان المقاومة الوطنية – المنابر الوطنية).
2-1: ارتباط مناخ ممارسة الأحزاب لدورها – بالديمقراطية – ولذلك – فان دورها العلني لا وجود له نظرياً في الأنظمة غير الديمقراطية – وتبدو ممارسة صيغة الحزب الواحد في ظل تلك الأنظمة مغالطة لفهم الديمقراطية.
3-1: دونما تهويم – في تعريفات الحزب السياسي – تعتمد الدراسة التعريف الذي اقترحه الدكتور أسامة الغزالي حرب – في كتابه (الأحزاب السياسية في العالم الثالث) (مقدمه – ص21).
»اتحاد أو تجمع من الأفراد ذي بناء تنظيمي على المستويين القومي – المحلي« يعبر في جوهره عن مصالح قوى اجتماعية محددة ويستهدف الوصول إلى السلطة السياسية أو التأثير عليها بواسطة أنشطة متعددة – خصوصاً من خلال تولي المناصب العامة سواء عن طريق العملية الانتخابية أو بدونها« وتتحفظ الدراسة على كلمة أو بدونها اذ انها تتعارض – مع ما سبق ذكره من الملاحظات في ارتباط الحزب السياسي – بالديمقراطية.
4-1: ان حظر الأحزاب أو حلها في ظل الأنظمة المدنية أو العسكرية لا ينهي وجودها – حيث تنزل كوادرها لممارسة العمل السري – ما يؤدي إلى قوة ارتباطها بالجماهير.
5-1: كان الزعيم الامريكي (جورج واشنطون) يصف ممارسات الأحزاب – بغير الرشيدة اذا انها تقوم على – الفساد.
– غياب الكفاءة التنظيمية.
– اثارة الصراع الاثني والطبقي.
– الوقوع في نفوذ التبعية الأجنبية.
3/ عناصر التعريف:
تتمثل العناصر الأساسية في تعريف الحزب فيما يلي:
1-3: سعي الأحزاب السياسية إلى الوصول للسلطة عن طريق الانتخابات – بهدف تحقيق المصلحة العامة.
2-3: اننا نمثل رأياً أو فكراً يعبر عن مصالح – قطاع من قطاعات كثيرة في حركة المجتمع.
3-3: تمثل رقيباً مباشراً – للأداء الحكومي وتقوم بنقده أو تقييده أو دعمه أو جماع كل ذلك.
4-3: تتميز طبيعة تكوينها – بالاستمرار أو استدامة نشاطاتها – بانفصال تام عن من قاموا بتأسيسها أو الانتماء لعضويتها (كالشخصية المعنوية – وهي بالفعل كذلك).
5-3: انها ترتبط في مسيرتها (سواء في حالات الازدهار والقوة أو حالات الضعف والترخي تمثل) بقدرتها على اقناع الناخبين ويقوم ذلك بالمقابل بتقديم النموذج الراشد (صدقاً وأمانة).
4/ تتمثل وظيفة الأحزاب السياسية في:
1-4: تمنح الشرعية للنظام السياسي legitimation – كجزء من منظومة التعدد الحزبي في ظل الحكم الدستوري.
2-4: تمثل ضماناً لتمثيل النسيج الاجتماعي – بما فيه من الشرائح المهمشة أو المعزولة – وذلك بالتعبير عن مصالحها.
3-4: العمل على تطوير الممارسة الديمقراطية – بالاتجاه للأداء السياسي الراشد من خلال عمليات النقد الموضوعي – لسياسات وأداء الحكومة وكذلك تطوير نفسها.
4-4: الانتقاء الموضوعي – لمن يشغلون المناصب السيادية والدستورية وشغل الوظائف العليا – في الحكومة – تعبيراً عن رشد ونضج الأداء.
5-4: التمثيل المشروع – لمصالح الشعب والقيام بعملية التوازن المطلوب في مسألة عدالة السلطة والثروة.
6-4: التنشئة السياسية – التي تقوم على مبدأ الولاء للوطن أولاً بعيداً عن الفهم الحزبي الضيق.
ثالثاً: الاطار المجتمعي والدستوري والقانوني لنشأة وتطور الأحزاب
1-: تفيد المتابعة التاريخية لنشأة تطور ظاهرة الأحزاب السياسية في السودان – ارتباطها تماماً – بنشأة وتطور الحركة الوطنية في سياقها الثقافي والاجتماعي – وانها ابتعدت عن ظاهرة النشأة الخارجية – كما حدث لكثير من الأحزاب في افريقيا وآسيا والتي ارتبطت بظاهرة محاربة الاستعمار من النخب الافريقية والآسيوية – خارج بلادهم – من خلال المؤتمرات والسمنارات والتحالفات السياسية.
2-: تبدو جينات نشأة تطور الأحزاب السياسية – في الظروف والملابسات التي اعقبت – معركة كرري في 2 سبتمبر 1898 – وتركيز المستعمر على مواصفات بناء فكري واجتماعي – يلغي كل ما تعلق بتلك الثورة – فعمد إلى:
1-2: تشكيل رصيده البشري المتعلم من خلال تأسيس كلية غردون التذكارية (1903).
2-2: تنشيط وتفعيل دور الادارة الأهلية – ومشاركتها وفقاً لنسق الحكم غير المباشر indirect rule.
3-2: اصدار التشريعات التي تحكم وتنظم – نشاطات المجتمع – وبتحسب (دقيق) لكل ما يمكن أن تقوم به تلك الهيئات أو التنظيمات من نشاطات معادية وتمثلت تلك التشريعات فيما يلي:
1-3-2: قانون الجمعيات غير المشروعة لسنة 1919م – فقد تصدى لأي ممارسات تتعارض مع ثقافة المجتمع وسلامته (ويبدو أن المسألة تعلقت بما كانت تقوم به بعض قبائل الجنوب آنذاك).
2-3-2: قانون الهيئات غير المشروعة لسنة 1924م (ويبدو انه قد صدر في أعقاب ثورة 1924م العسكرية المدنية) – وقد استهدف حظر الهيئات التي تمثل خطراً على السلام العام – ويهم أن نثبت من هذه الدراسة تعريف ذلك القانون للهيئة بأنها »تجمع أو جماعة من الأشخاص، سواء عرفت باسم مميز أم لم تعرف بالهيئة غير المشروعة التي تشجع أو تساعد الاشخاص على ارتكاب اعمال العنف والارهاب أو أي جريمة أخرى أو يرتكب جميع أو بعض أعضائها عادة مثل ذلك – وقد ألحق بذلك القانون جدولاً أشار – ضمن هيئات أخرى إلى أي هيئة تعتنق نظريات ومبادئ الشيوعية والكونفورم أو تروج لها ولنشرها.
3-: في سياق – حركة المجتمع الثقافية – نشأت جينات الحركة الوطنية – في شكل:
1-3: تجمعات أدبية ذات نزعة فكرية – بقيادة (الأفندية) من خريجي كلية غردون – ومستنيري الطبقة الوسطى من التجار وتمثل ذلك في:
1-1-3: جماعة أبي روف – ذات الخط السياسي – المشبع بأفكار اليسار البريطاني المعتدل (الفابيان fabians) كما نزعت إلى التقارب الفكري – مع الشعب المصري، سواء فيما ظهر لاحقاً، في صبغة الوحدة أو الاتحاد – وهي الجماعة التي شكلت فيما بعد (جماعة الاتحاديين) تحت زعامة زعيم (طائفة الختمية) السيد علي الميرغني.
2-1-3: (جماعة الهاشماب) ذات النزعة القومية – والتأكيد على استقلال السودان بسيادته وثقافته – والتي قدمت رؤاها – في مجلتها القيمة »الفجر« – وهي التي شكلت فيما بعد مع حزب الأمة جماعة الاستقلاليين تحت رعاية زعيم (طائفة الانصار) السيد عبد الرحمن المهدي.
4-: لم تكن أي من المدرستين بعيدة – عن ثورة 1924 سواء من خلال تنظيم (الاتحاد السوداني) في مرحلة وتنظيم (اللواء الأبيض) في مرحلة أخرى والتي أدانت – دورها – للأسف الشديد بعض أهل الوجاهة الدينية والاجتماعية.
5-: أعقبت أحداث ثورة 1924 – حضور طاغ – لحركة المثقفين السودانيين – في صيغة (مؤتمر الخريجين) – والذي تولى التعبير عن ارادة أهل السودان – وكان ذلك تأسياً بالمؤتمر الهندي الذي استند في مقاومته للاستعمار على الجهاد المدني السلبي (غاندي – نهرو) – ما دعا له الأستاذ أحمد خير – في محاضرته الشهيرة بمدني – وكان قد روج لذلك الأستاذ خضر حمد في كتاباته والتي وقعها باسمه المستعار (طوبجي) ولقد شهدت مراحل تطور مؤتمر الخريجين – على الأخص خلال أعوام 1945-1956 – ظهور
1-5: كيان القوى السياسية ذات التوجه الاتحادي أو الوحدوي مع مصر كما مثله الحزب الوطني الاتحادي فيما بعد – حين تم توحيد أجنحته 1952 في مصر – بجهد كبير قام به اللواء محمد بخيت.
2-5: كيان جماعة المستقلين وحزب الأمة – من المنادين باستقلال البلاد بعيداً عن النفوذ المصري.
6-: يبدو في السياق أعلاه الملاحظات الآتية:
1-6: أن مؤتمر ادارة السودان 1946 – قد أوصى بتبني النظام الديمقراطي (على النسق البريطاني) وأوصى في ذلك الاطار على إنشاء مجلس تنفيذي وجمعية تشريعية (صدر قانونها في عام 1948 – ولكنه وللنظرية لم ينص على إنشاء التنظيمات الحزبية.
2-6: مارست القوى السياسية الناشئة آنذاك/ حقها الطبيعي – في الدعوة لأفكارها والعمل على تنظيم عضويتها بل أن حزب الأمة شارك في انتخابات الجمعية التشريعية عام 1948 – وحصل على عدد من المقاعد رغم غياب النصوص التي تحكم وتنظم ذلك – ويدفع الدكتور محمد أحمد سالم – مسجل الأحزاب آنذاك بأن السبب في ذلك – هو قناعة البريطانيين – بقيمة العرف الدستوري كما تمارسه بلادهم لتنظيم الأحزاب السياسية.
رابعاً: الأصول الدستورية والقانونية لتنظيمي الأحزاب السياسية:
يمكن ايجاز التطور الدستوري – لحركة التعدد الحزبي في المراحل التالية:
1-: المراحل الديمقراطية: 1956 – 1958/1964 – 1969 – 1975/1989.
1-1: اعتراف دساتير الحكم الذاتي (1953) في المادة 5/2 ودستور السودان المؤقت لسنة 1956 بالحق في تكوين الجمعيات (قانون تسجيل الجمعيات لسنة 1957م) مع استثناء الجمعيات السياسية – من تطبيق ذلك القانون – ولكن استمرت الأحزاب في ممارسة نشاطاتها استناداً – إلى مفهوم العرف الدستوري البريطاني.
2-1: أعيد نص المادة 5 التي وردت بدستور 1956 الذي عدل عام 1964 – وأعقب ذلك حظر دستوري لنشاط الحزب الشيوعي السوداني وأي نشاط آخر بمقتضى التعديل الذي قامت به الجمعية التأسيسية آنذاك لدستور 1964 – تعديل 1965 (ويدخل ذلك التعديل في سياق إجراء القيود على حرية التنظيم السياسي).
3-1: في دستور 1985 وبموجب نص المادة (7) تم الاعتراف بحق إنشاء وتنظيم الأحزاب السياسية – واعتبارها الأداة الأساسية لممارسة الديمقراطية.
2-: الأنظمة العسكرية: (1958-1964) – (1969-1985) – 1989-2016):
1-2: تم حل الأحزاب السياسية وحظر العمل السياسي خلال نظام 17 نوفمبر 1958 مع ملاحظة أن الأحزاب/ ظلت تقوم بنشاطاتها – في سرية ويتعرض قادتها وعضويتها للاعتقالات والمحاكمات.
2-2: ظلت الأحزاب خلال فترة مايو 1969 تمارس عملها السري وتبني دستور 1973 نظام الحزب الحاكم الواحد »الاتحاد الاشتراكي السوداني« – وحظرت القوانين التي صدرت استناداً لهذا الدستور – أي نشاط لأي تنظيم غيره.
3-2: حلت الأحزاب السياسية – في بداية حكم الإنقاذ (30 يونيو 1989) – ويمكن متابعة تطور التنظيم الحزبي كما يلي:
1-3-2: صيغة الحزب الحاكم الواحد.
2-3-2: بمقتضى دستور 1998 – وفقاً لنص المادة 26 – أعيد التعدد القانوني للأحزاب وفقاً لقانون التوالي السياسي لسنة 1998 وقد عدل هذا القانون بالغاء مصطلح التوالي وإضافة نصوص اجرائية أخرى وليلغي هذا الأخير قانون الأحزاب السياسية لسنة 2001.
3-3-2: بمقتضى اتفاقية نيفاشا 2005 والدستور الانتقالي لسنة 2005 والتزاماً بنص المادة 40 – من الباب الثاني – وثيقة الحقوق billof rights تم النص على حرية التجمع والتنظيم كما يلي:
1-3-3-2: يكفل الحق في التجمع السلمي ولكل فرد الحق في حرية التنظيم مع آخرين بما في ذلك الحق في تكوين الأحزاب والنقابات والاتحادات المهنية.
2-3-3-2: نظم القانون تكوين وتسجيل الأحزاب السياسية والجمعيات والنقابات والاتحادات المهنية وفقاً لما يتطلبه المجتمع الديمقراطي.
3-3-3-2: لا يحق لأي تنظيم يعمل كحزب سياسي على المستوى القومي أو المستوى الولائي ما لم يكن لديه
4-3-3-2: عضوية مفتوحة لأي سوداني بغض النظر عن الدين أو الأصل العرقي أو مكان الميلاد.
5-3-3-2: برنامج لا يتعارض مع نصوص هذا الدستور.
6-3-3-2: قيادة ومؤسسات منتخبة ديمقراطياً.
7-3-3-2: مصادر تمويل شفافة ومعلنة.
3-: بمقتضى ذلك النص الدستوري – صدر قانون الأحزاب السياسية لسنة 2007 والذي
1-: ألغى قانون الأحزاب السياسية لسنة 2001 وعرف الحزب في المادة (3) بأنه »أي حزب أو تنظيم سياسي تم تسجيله أو وفق أوضاعه وفقاً لأحكام هذا القانون يعمل بشكل منتظم لخدمة أهداف سياسية معينة ويسعى لتحقيقها بالطرق السلمية«.
2-3: تنشأ مجلس شؤون الأحزاب السياسية ومنحه الشخصية المعنوية العامة (مادة 5/1) وجعله مستقلاً عن جميع السلطات (مادة 6).
3-3: أعادت المادة 14 من القانون ذات اشتراطات المادة 40 من الدستور الانتقالي لسنة 2005 بالإضافة لاشتراطات أخرى من أهمها: »راجع البند 3-3-2«.
4-: يفسر الدكتور العالم محمد أحمد سالم (مسجل الأحزاب السابقة) مبررات تنظيم العمل السياسي للقانون بأنها حل وسط للتوفيق بين تيارين في الرأي العام السوداني برزا عند مناقشة مشروع نص المادة 26 من دستور 1998 الخاصة بحرية التنظيم السياسي.
1-4: رأي – يقف بقوة ضد الأحزاب السياسية – على النحو الذي سبق إيراده بداية هذه الدراسة عن المحاذير التي ترتبط بالأحزاب السياسية – بالإضافة لانتقاد تجربة الممارسة الديمقراطية وافتقارها لمعايير المؤسسية والشفافية – وان صفة الحزب بمواصفاته العلمية – لم تكن تنطبق على نهج التكتلات الجهوية والعرقية والطائفية، ونادى هذا التيار بوجود جبهات تحالف وطني عريضة تضم في داخلها برامج موضوعية بشرط وجود القيم والأهداف المشتركة.
2-4: يقوم (التيار الآخر) على أن الديمقراطية – هي أحد أهم صفات التطور السياسي وأنها تمثل المدخل الأساسي لعملية الاستقرار السياسي والازدهار الاقتصادي وأن أداتها هي الأحزاب السياسية التي تقوم على التنافس الشريف للوصول للسلطة – وأن هذا التيار لا ينكر تجربة الأحزاب السياسية ودورها الوطني – في كل مراحل التطور السياسي وانها تميزت بالاستقامة والنزاهة – ويرون وفقاً لذلك أنه لا معنى لتقييد تأسيس الأحزاب السياسية.
خامساً: مظاهر أزمة النشاط الحزبي (القوة والضعف في السودان)
1-: بتحديد دقيق لحرية الأحزاب السياسية في ممارسة نشاطاتها وفقاً للدستور والقوانين تمكن ربط ذلك بالمراحل الديمقراطية (الحكم الذاتي وإعلان الاستقلال أول يناير 1956 – 16 نوفمبر 1958 و30 أكتوبر 1964 – 6 أبريل 1985 والحكومات الحزبية الثانية يونيو 1965 – 24 مايو 1969/ حكومات الديمقراطية الثانية 6 أبريل 1985 – 29 يونيو 1989 والديمقراطية الثالثة وهي مدة تمثل ثلث – فترة الحكم الوطني وقد تميزت الفترة بـ:
1-1: عدم الاستقرار السياسي (التمرد 1955 – حوادث أول مارس 1954 – حوادث جودة 1956).
2-1: كثرة التحالفات والائتلافات السياسية (الحزب الوطني الاتحادي – حزب الشعب الديمقراطي – صراع الأزهري مع الشيخ علي عبد الرحمن – الصراع في داخل حزب الأمة – مشكلة الجنوب – رفع شعار تحرير لا تعمير وانشقاق الحزب الشيوعي السوداني 1957).
2-: يمكن ملاحظة – مظاهر أزمة النشاط الحزبي الديمقراطي فيما يلي:
1-2: انقطاع علاقة النواب المنتخبين – بقواعد أحزابها الديمقراطية الأولى (+ حكومة انتقالية + حكومات ائتلافية).
2-2: ظاهرة (النخاسة) – في بيع وشراء ذمم النواب – بانتقالهم لأحزاب أخرى – دون مسوغات موضوعية مما أدى إلى ظاهرة مزدات الانتماء (auction of loyalites).
3-2: ظاهرة التحكم الطائفي والقبلي في العملية الانتخابية (تحديد مرشحي الأحزاب وتحديد شغل المناصب الوزارية والسياسية).
4-2: عدم مصداقية الشعارات المطروحة والمبالغة والتهويل بشأنها (إنشاء الكوبري الذي يربط بين السعودية والسودان عبر البحر الأحمر – المرحوم هاشم بامكار).
5-2: هيمنة حالات الائتلاف – كحلول مؤقتة أو بالأصح – التخدير في مواجهة صراعات الأحزاب مما أدى إلى:
1-5-2: ضعف دور الجهاز التشريعي – في مراقبة أداء الجهاز التنفيذي أو بالأحرى (تجميد الدور).
2-5-2: تجميد المبادرات التشريعية في اقتراح وإصدار القوانين التي تسد الثغرات القانونية.
3-5-2: الاحتفاءات الموسمية – بنجاحات الحزب – سواء على مستوى نتائج الانتخابات أو في إحدى الدوائر التي يتم ترشيح أحد القيادات ذات الوزن (عبد الخالق محجوب – الحزب الشيوعي – أحمد زين العابدين – الحزب الاتحادي الديمقراطي – حسن عبد الله الترابي – جبهة ميثاق – حسن شبو – الاتحاد الديمقراطي ….الخ).
4-5-2: النزعة البرجماتية (غير الأخلاقية) التي تمارسها الأحزاب – في ائتلافاتها المختلفة (تجاوز المصلحة العامة للوطن – بالاستئثار بالسلطة دون الآخر ولاحظ نتائج ائتلافات الديمقراطية الثانية).
5-5-2: ارتباط الأحزاب أو أغلبها بقيادة (الكارزما) – وغياب مؤتمرات الأحزاب (الأزهري – الاتحادي الديمقراطي/ عبد الخالق محجوب – الحزب الشيوعي/ علي عبد الرحمن – حزب الشعب الديمقراطي/ الصادق المهدي – حزب الأمة – في مرحلة انشقاقه الأول واستمراره الحالي/ وحسن الترابي – جبهة الميثاق – المؤتمر الوطني – الموتمر الشعبي/ محمود محمد طه – الحزب الجمهوري. ولقد عنى ذلك استمرار الجيل الواحد. وأزعم أن هذه الظاهرة تعبر عن ثقافة مجتمع أهل السودان في حاجته الملحة للكبير وهو الأب وهو الشيخ وهو العمدة.
6-5-2: ظاهرة نفوذ التركيبة العرقية أو الجهوية – في داخل الحزب الواحد ويرتبط بذلك ظاهرة ترشيح شخصين من نفس الحزب في دائرة واحدة (سواء برضا أو عدم رضا الحزب المعني).
7-5-2: سيطرة أو على الأقل نفوذ أصحاب المال في داخل الحزب أو خارجه من الأصدقاء على اختيار المرشحين للانتخابات أو شغل المناصب الدستورية – تحقيقاً لمصالحهم – عبر دعم الحزب مالياً.
8-5-2: غياب المؤسسية وظهور (مافيا التحكم) في البناء التنظيمي للحزب دون احترام لدستور ولوائح انضباط الحزب – (الفكرية والسلوكية).
9-5-2: ضعف التمويل والاستعانة في ذلك بالنفوذ الأجنبي أو غير المشروع.
10-5-2: غياب أو انعدام الكفاءة التنظيمية (ظاهرة الانفلات الإعلامي.. من يتحدث باسم الحزب) مما أدى لظاهرة الجزر المعزولة.
11-5-2: غياب أو انعدام المرجعية الفكرية الواضحة.
12-5-2: ظاهرة الفساد – بكل أنواعه ودرجاته التي تمارسها – الأحزاب حين تتولى السلطة.
3-: أدى كل ذلك إلى شعور صادم بدور الأحزاب والقيام بدورها المطلوب من
4-: تنمية المجتمع وازدهاره السياسي والاقتصادي – وأدى ذلك بالمقابل وعلى نحو مباشر إلى
1-3: ظاهرة الانقلابات العسكرية (راجع بياناتها في 17 نوفمبر 1958 – 25 مايو 1969 – 19 يوليو 1971 – أبريل 1985 – 30 يونيو 1989).
2-3: ظهور ظاهرة نظام الحزب الحاكم الواحد – سواء في صيغة الحزب الاشتراكي السوداني أو المؤتمر الوطني ، وان تآلف الحزب الأخير – بعد اتفاقية نيفاشا 2005 – وبناء على اتفاقيات أسمرا وأبوجا والقاهرة والدوحة – مع عدد من القوى السياسية والحركات المسلحة أو سواء تم ذلك مبادرات حزبية مثل مبادرة الشريف زين العابدين الهندي أو خطوة تعيين كل من ابني الإمام الصادق المهدي والسيد محمد عثمان الميرغني في وظيفتي مساعد لرئيس الجمهورية.
سادساً: جينات الانشقاق الحزبي في الحركة السياسية السودانية
1-: يمكن ودون تكرار لما سبق استخلاص المؤشرات الآتية:
1-1: تفاوتت أسباب ومبررات تأسيس ظاهرة ما قبل تأسيس الأحزاب السياسية بما يلي:
1-1: المبررات الدينية.
2-1-1: المبررات الطائفية.
3-1-1: المبررات العرقية والجهوية.
4-1-1: الدوافع الايدولوجية.
5-1-1: النفوذ المصري.
6-1-1: النفوذ البريطاني.
وحتى لا نفتئت على أية قوى سياسية أو اجتماعية – فان دافع أغلب تلك الأحزاب تمثل في قناعاتها الفكرية والمناهج التي اعتمدتها.
2-1: لم يعر الحكام البريطانيون – بدايات تلك النشأة اهتماماً إذ اعتبروها مجرد (منابر خطابية) – رغم توجسهم – من تطور تلك المنابر – لتكون عملية سياسية متكاملة – فأصدروا من التشريعات ما يضمن ضبط مثل ذلك التحول (راجع ما سبق من قانون الجمعيات غير المشروعة).
3-1: اجتناب المواجهة المباشرة – في مرحلة هيمنة مؤتمر الخريجين – تأسياً بالمؤتمر الهندي والابتعاد من نتائج تداعيات ثورة 1924 – فاستندت في مبررات إنشائها إلى العمل الثقافي والخيري والإبداع المسرحي والشعري – ولم تكن الأهداف السياسية بعيدة عن ذلك (راجع أهداف إنشاء المؤتمر التي رفعت للإدارة البريطانية – راجع الأستاذ حسن نجيلة: ملامح من المجتمع السوداني ومذكرات كل من الأستاذين خضر حمد وأمين التوم (رحمهم الله).
2-: تميزت مرحلة تأسيس الأحزاب السياسية (بعد 1945) وما قبلها بما يلي:
1-2: تتشبع التيارات الاتحادية والوحدوية الفكرية والتنظيمية بالحركة الوطنية المصرية (حزب الوفد والتاج المصري) – من ناحية – كما اصطحبت التيارات التي نادت بالاستقلال بثقافة الثورة المهدية والقومية السودانية ودارت أغلب انشقاقات الأحزاب فيما بعد في فلك هاتين الرؤيتين.
2-2: أزعم أن حركة الانشقاقات في الأحزاب السودانية ومنذ نشأتها – كانت تكاثراً خضرياً – حيث تنشق الخلية من نفسها أو ربما كان الوصف الأكثر دقة هو اعتبارها (حملاً خارج الرحم) – وأرى أن هذه الانقسامات كانت ذات بعدين:
1-2-2: بعد حيوي قاد إلى الصراع الفكري الحاد.
2-2-2: بعد سلبي أدى إلى الموت والتلاشي بسبب المصالح الشخصية وغياب المشاركة والمؤسسية وراجع خارطة جينات ظاهرة الانشقاق.
3-: يطرح البحث والاستخلاص لظاهرة الانشقاق – بعض الأسئلة الهامة.
1-3: ما هو الحزب الأصل – نشأته – أهدافه – وسائله – قيمه – سلوكه – إسهاماته.
2-3: ما هي مبررات وأسباب – مظاهر الانفصال – وما هي ارهاصات ومقومات ذلك (تيارات فكرية – دينية – عرقية – جهوية – طائفية – مصالح شخصية).
3-3: درجة قبول أو رفض أو تبني الرأي العام – أو عضوية الحزب للظاهرة.
4-: طبيعة الظروف الاجتماعية والثقافية والفكرية التي لازمت ارهاصات تأسيس الحزب ويلاحظ الباحث أن أغلب ظروف نشأة تلك الأحزاب استهدفت محاربة الاستعمار ولكنها لم تخل من:
1-1-4: نفوذ العلاقة الاجتماعية والتجانس الفكري (جماعات أبي روف والهاشماب – الأشقاء).
2-1-4: النفوذ الطائفي (الختمية والأنصار).
3-1-4: النفوذ الأجنبي (مصر – بريطانيا).
4-1-4: النفوذ الايدلوجي (الحزب الشيوعي السوداني – حزب البعث العربي الاشتراكي).
5-1-4: النفوذ الديني (حركة الاخوان المسلمين).
6-1-4: النفوذ الاثني والجهوي (جماعات مؤتمر البجا – حركة سوني – حركة النهضة – حركات جبال النوبة) وما تلى ذلك من حركات مسلحة.
2-4: البيئة الداخلية للحزب من حيث:
1-2-4: مدى صدقية ووضوح المرجعية الفكرية من حيث الملامح الاستراتيجية والتاكتيكية.
2-2-4: مدى الكفاءة التنظيمية (الانضباط التنظيمي).
3-2-4: الممارسة الديمقراطية الصحيحة.
4-2-4: القدرة على التمويل النزيه.
3-4: الصراع في داخل الحزب – بين
1-3-4: صراع التيارات الفكرية (الرؤى المطروحة).
2-3-4: صراع الأجيال (الشباب – الشيوخ).
3-3-4: صراع الكتل القبلية والجهوية.
5-: يلاحظ أن كثيراً من الانشقاقات لا تجاوز – ظروف الانتخابات – فهي مؤقتة – وترتبط بالاختلاف على الترشيح للدوائر الانتخابية – ولكن ذلك لا يمنع من انشقاقات جوهرية – تواصل نموها وتطورها واستقلالها أو تلاشيها أو تذويبها.
وبعد – فهذه محاولة تفتح الباب لنقاش فكري جاد يصل بنا إلى رؤية واضحة فيما يتعلق بدور الأحزاب في المرحلة القادمة.
ولعلي أشكر المركز العالمي للدراسات الافريقية والذي بدأ المسألة في قاعة الشهيد الزبير محمد صالح حين قدم الأستاذ محمود عابدين كتابه عن ظاهرة الانقسامات الحزبية في السودان.