أسباب اجتماعية والتخلف يؤدي لتشغيل الصغار.. ضد القانون.عمالة الأطفال تمثل تحدياً أخلاقياً يواجه المجتمع

مركز العاصمة للتدريب ودراسات العمل والهجرة بالتعاون مع مؤسسة فريدريش ايبرت والمجلس القومي لرعاية الطفولة أقام ورشة عمل حول عمالة الأطفال بين الواقع والمأمول قدمها الأستاذ/ ياسر سليم شلبي خلال ابريل الماضي ولأهميتها نستعرض بعض ما جاء فيها..
تزايد الاهتمام الدولي بموضوع عمالة الأطفال، ونصت على حظرها العديد من الاتفاقيات والمواثيق الدولية والإقليمية ذلك بسبب عدم اكتمال نمو الأطفال العقلي والجسمي والنفسي، وحيث انها تحرم الأطفال من أبسط حقوقهم.
إن انتشار عمالة الأطفال يعوق نموهم وتعليمهم، ويسبب لهم أذى بدنياً وجسدياً ونفسياً، وينعكس سلباً على أوضاعهم الأسرية والمدرسية والمجتمع، ويؤثر بشكل خطير على عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وذلك بسبب عدم اكتمال نموهم العقلي والجسمي والنفسي وكذلك بسبب سهولة تأثرهم سلباً بالضغوط التي تفوق طاقاتهم بالاضافة، إلى كون العمل يحرم الطفل أبسط حقوقه، كالتعليم واللعب والبيئة المادية والمعنوية. لعمالة الأطفال أثار مدمرة على الطفل، حيث تتأثر صحة الطفل ونموه الجسدي، وهذا بجانب أن عمالة الأطفال تعزز دورات الفقر بين الأجيال. تدل المشاهد اليومية على انتشار عمالة الأطفال بصورة كبيرة ومقلقة. بصورة عامة تؤثر عمالة الاطفال على حق الطفل في الاستمتاع بالحقوق المدنية والسياسية، وكذلك الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. إذا كان الأطفال يدفعون ثمناً باهظاً إلا أن بلدانهم ستدفع ثمناً غالياً.
مفهوم عمالة الأطفال
يشير مفهوم «عمالة الأطفال» إلى العمل الذي يضع أعباء ثقيلة على الطفل، والذي يهدد سلامته وصحته ورفاهيته، العمل الذي يستفيد من ضعف الطفل وعدم قدرته على الدفاع عن حقوقه، العمل الذي يستغل الأطفال كعمالة رخيصة بديلة عن عمل الكبار، العمل الذي يستغل الأطفال ولا يساهم في تنميتهم، العمل الذي يعيق تعليم الطفل وتدريبه ويغير حياته ومستقبله. كما يشير مفهوم «عمالة الأطفال» إلى كل عمل يضر بصحة الطفل أو بنموه أو رفاهيته.
ينقسم عمل الأطفال الذي يحظره القانون الدولي إلى فئات ثلاث:
أولاً: أسوأ أشكال عمل الأطفال المطلقة التي عرفت دولياً بالاستعباد والاتجار بالبشر، وسائر أشكال العمل الجبري، وتوظيف الأطفال جبراً لاستخدامهم في النزاعات المسلحة، وأعمال الدعارة والأعمال الاباحية والأنشطة غير المشروعة.
ثانياً: العمل الذي يؤديه طفل دون الحد الأدنى للسن المخول لهذا النوع من العمل بالذات «كما حدده التشريع الوطني ووفقاً للمعايير الدولية المعترف بها» والعمل الذي من شأنه اعاقة تعليم الطفل ونموه التام.
ثالثاً: العمل الذي يهدد الصحة الجسدية والفكرية والمعنوية للطفل، سواء أكان ذلك بسبب طبيعة هذا العمل، أم بسبب الظروف التي ينفذ فيها أي ما يعرف بمصطلح «العمل الخطر».
عمالة الأطفال
نصت الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل بصورة واضحة على حماية الأطفال من العمالة والاستغلال الاقتصادي لهم. حيث نصت على أن تعترف بالدول الأطراف بحق الطفل في حمايته من الاستغلال الاقتصادي ومن أداء أي عمل يرجح أن يكون خطراً أو أن يمثل اعاقة لتعليم الطفل، أو أن يكون ضاراً بصحة الطفل أو بنموه البدني، أو العقلي، أو الروحي، أو المعنوي، أو الاجتماعي وأن تتخذ الدول الأطراف التدابير التشريعية والإدارية والاجتماعية والتربوية التي تكفل تنفيذ هذه المادة. وأن تقوم الدول الأطراف بما يلي:-
«أ» تحديد عمر أدنى أو أعمار دنيا للالتحاق بعمل.
«ب» وضع نظام مناسب لساعات العمل وظروفه.
«ج» فرض عقوبات أو جزاءات أخرى مناسبة لضمان انفاذ هذه المادة بفعالية.
أسباب عمالة الأطفال
هنالك أسباب متعددة لعمالة الأطفال ويمكن تحديد أهم الأسباب التي تؤدي إلى عمل الأطفال بأنها:
أسباب تعليمية:
هناك ارتباط وثيق لا يمكن فصله بين تعليم الأطفال وانخراطهم في العمل، حيث يشكل التعليم وخاصة التعليم الأساسي الجيد المجاني والالزامي، الحد الأدنى لسن الدخول لسوق العمل، وفقاً لما نصت عليه المعايير الدولية والعربية للعمل، عنصراً أساسياً في منع عمل الأطفال. وقد تبين أنه في الدول التي تم فيها تطبيق التعليم اللإلزامي حتى سن الرابعة عشرة انخفضت معدلات عمل الأطفال بشكل فعلي..
أسباب اقتصادية:
تتصدر العوامل الاقتصادية القائمة بين الأسباب والعوامل المؤدية لانخراط الأطفال في العمل، وبخاصة أسوأ أشكاله، نظراً لوجود علاقة وثيقة بين الفقر وتدني دخل الأسرة والبطالة، وبين عمل الأطفال وخاصة الفقر، والذي يرتبط عمل الأطفال به ارتباطاً وثيقاً، وهذا بجانب مشكلة البطالة التي تعد احدى أخطر المشكلات التي تواجه المجتمعات.
أسباب مرتبطة بالصراعات والحروب:
من أهم افرازاتها تشريد العديد من الأسر من مأوى عيشهم إلى أماكن مختلفة، تفتقر إلى العيش الكريم، وأول من يكون ضحية ذلك هو الطفل الذي يفقد كافة حقوقه، من تعليم وصحة، والعيش في كنف أسرة آمنة مستقرة، وتصبح حياته جحيماً، فيبدأ بالبحث عن عمل، ومن ثم يتعرض لكافة أشكال الاستغلال والاساءات، وغالباً ما يفقد الأطفال المتأثرون بالصراعات والحروب والديهم، وأحياناً لا يجدون من يعولهم، وهنا يكون الشارع هو الملجأ والملاذ والتعرض للأعمال الخطرة، وادمان المخدرات، وغير ذلك من أبواب الضياع.
أسباب قانونية:
رغم مصادقة العديد من الدول على الاتفاقيات الخاصة بحقوق الطفل عموماً، وحقوق الطفل العامل خصوصاً، واتفاقيات منظمة العمل الدولية، والاتفاقيات الاقليمية الخاصة بعمالة الأطفال، نلاحظ أن هنالك ضعفاً في وجود تشريعات فعالة على أرض الواقع.
أضف إلى ذلك ضعف وأحياناً غياب الآليات القانونية الكفيلة بتنفيذ تلك القوانين يسهم في تفشي عمالة الأطفال، مثل مؤسسة تفتيش العمل التي لم تصل بعد إلى درجة الكفاءة والامكانية اللازمة لتنفيذ مهامها، وغالباً لا توجد جزاءات تطبق عند حدوث انتهاك ذي صلة بعمالة الأطفال. كما يلاحظ تركيز هذه الآليات والتشريعات مع ضعفها على العمل النظامي، واهمال التفتيش والمراقبة في حالات عمل الأطفال في القطاع غير النظامي.
أسباب اجتماعية:
يوجد لدى بعض المجموعات القبلية معتقدات متعلقة بعدم جدوى التعليم، أو الاكتفاء فقط بتعليم الخلاوي، والتركيز على أن يعمل الأطفال، وخاصة في ظل الحروب والنزاعات، وهذا من ضمن الأسباب المؤدية إلى انخراط الأطفال بالعمل في سن مبكرة، حيث لا تزال تسود بعض المجتمعات معتقدات قوية تبيح عمالة الأطفال، وفي المجتمع الذي يكون فيه عمل الأطفال مقبولاً اجتماعياً يقل الطلب على التعليم.
وتتزايد تلك المفاهيم مع الهجرة من الريف إلى المدينة حيث يعمل الأطفال في مهن خطرة وخاصة، في مناطق السكن العشوائي، والتي يكثر فيها عمل الأطفال بالأعمال الخطرة والتي تعرض الأطفال لكافة أنواع الاستغلال.
التحديات والحلول:
بالرغم من تميز قانون الطفل 2010 وانه حظر عمل الأطفال دون 18 سنة في الأعمال الخطرة والصناعات، إلا أن اللائحة التي توضح هذه الأعمال الخطرة والصناعات، لم يتم اجازتها حتى الآن، لذا يجب الاسراع باجازتها.
وكذلك لا توجد عقوبات على المواد المرتبطة بصورة مباشرة بعمالة الأطفال، مثلاً نص قانون الطفل في المادة «28» على حق أن توفر الدولة التعليم الأساسي الإلزامي بالمجان ولم ينص على عقوبة لمن يفرض الرسوم الدراسية، وكما أشرنا سابقاً فإن التعليم المجاني والإلزامي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمحاربة عمالة الأطفال، وكما وضح ذلك في العديد من الاتفاقيات الدولية والاقليمية، المتعلقة بعمالة الأطفال. وبالرغم من أن التعليم المجاني والإلزامي في مرحلة الأساس حق دستوري نص عليه الدستور الانتقالي لسنة 2005، وكان من المفترض أن ينص قانون الطفل لسنة 2010 على عقوبة لمن يخالفه بعد أن نص عليه ضمن مواده.
لا يمكن الحديث عن الحد من عمالة الأطفال دون تطبيق مجانية وإلزامية التعليم لمرحلة الأساس ووضع جزاءات لمن يخالف ذلك. هنالك ارتباط وثيق لا يمكن فصله بين تعليم الأطفال وانخراطهم في العمل حيث يشكل التعليم وخاصة الجيد المجاني والإلزامي حتى الحد الأدنى لسن الدخول لسوق العمل وفقاً لما نصت عليه المعايير الدولية للعمل، عنصر أساسي في منع عمل الأطفال وقد تبين أنه في الدول التي تم فيها فرض التعليم الإلزامي والمجاني حتى سن الرابعة عشرة انخفضت معدلات عمل الأطفال بشكل فعلي.
ان معدل عمالة الأطفال يهبط مع ارتفاع معدل القيد في المدارس ويزداد مع تسرب الأطفال ويؤدي للجوء الأطفال للعمل في سن مبكرة، ومن المهم جداً أن يعتمد أسلوب ومناهج التعليم على الأساليب الحديثة والخالية من العنف بكافة أشكاله، الارتقاء بالبيئة المدرسية وجعل المدارس صديقة للأطفال، بالإضافة إلى رفع قدرات المعلمين وتحسين أوضاعهم المعيشية وعليه لكي نعمل على الحد من عمالة الأطفال يجب تطبيق مجانية والزامية التعليم ووضع استراتيجية لتطبيق المجانية والإلزامية لتعليم الأساس، ورفع نسبة الصرف على التعليم. الجدير بالذكر أنه من أهم مشاريع منظمة العمل الدولية هو مشروع مكافحة عمالة الأطفال من خلال التعليم.
وللحد من أجل عمالة الأطفال يجب تطوير برامج مكافحة الفقر وربطها بمحاربة عمالة الأطفال والحد منها ودعم الأسر الفقيرة، والتي لديها أطفال مهددون بالعمالة وادخالهم ضمن مشاريع الدولة المتعلقة بالتمويل الأصغر ومشاريع ادرار الدخل ومحاربة الفقر، وكذلك توفير الدعم الاجتماعي لهم، والعمل المستمر على تحسين ظروف الأسر الفقيرة. فهذا يعمل على منع التحاق الأطفال بسوق العمل وعلى عودة الأطفال العاملين إلى النظام التعليمي.
يمثل الأطفال في السودان حوالي نصف تعداد السكان، لذلك فإن الاهتمام بهم ورعايتهم في الوقت الراهن، سيحدث فرقاً في مستويات الصحة والتعليم والتنمية، والسلام والرخاء في السودان، في العقود القادمة.
أظهر المسح العنقودي متعدد المؤشرات 2014 ان نسبة عمالة الأطفال في السودان من الأعمار «ما بين 5-7 سنة» هي 9.24%، وتعتبر نسبة عالية.
إن عمالة الأطفال غالباً ما تكون انتهاكاً مرئياً، لذا هي تمثل تحدياً أخلاقياً قبل أن يكون قانونياً، فهي تحتاج إلى تضافر كل الجهود، من المهم جداً تفعيل القوانين والتشريعات القائمة بشأن استخدام الأطفال، وانفاذ القوانين بشكل صارم، وكذلك ضرورة التنسيق بين كل الجهات ذات الصلة، والعمل على تبادل الخبرات اقليمياً ودولياً، في مجال عمالة الأطفال، والاستعانة بخبرات المؤسسات المدنية الدولية المهتمة بالطفل.