الكاروري

كررت غير مرة اعجابي بخطب الشيخ -عبد الجليل النذير الكاروري- و هي محاضرات قيمة ورفيعة في الحياة والدين. والشيخ كما كتبت هنا قبل مدة لا يزال يتمتع بغير قليل من الإبداع والتميز في تعريف وتقديم الخطيب على منابر المساجد، فهو حفظه الله في قمة حضوره الذهني والمعرفي وهذه شهادتي في الرجل ولا تزال موثقة وموثوقة، حيث يتحف المؤمنين بخطب «قمة» في كل شيء يطرح فيها التنوير بالنصح والإرشاد مستحضراً بالوقائع المشهد الآن.
ميزة الشيخ الجليل أنه رجل معاصر وفقيه ومرشد حداثي وتعجبني للغاية مباحثه الدائمة والمستمرة في الاستنباط وعقد المقارنات والمقاربات من واقع حياة الناس وتفاصيل السيرة أو تفاسير القرآن الكريم.
مثل هذه النماذج للدعاة والشيوخ تعيد للمساجد والمسجدية دورها في قيادة وتأهيل المجتمع، لأن المسلم يأتي ويؤدي صلواته ويخرج وقد اكتسب إضافات معرفية وتوعية عالية وغالية.
إمامة الناس في المساجد والتقدم للخطابة والعنونة للدين يجب أن يراعي خلق أرضية من التواصل بين مختلف الأجيال والمدارس، بحيث يتم الوصول إلى صناعة جيل من الأئمة والموجهين عبر المساجد يتناسب دورهم وعطاؤهم والتطور الكائن بالجملة في الحياة وثورة المعلومات وانفتاح العوالم بأبعادها المختلفة، مما يلزم الداعية بأن يكون حاضراً ومؤثراً وصاحب رؤية تقدم العلم والإيمان في قالب إيماني ومعاصر ، وليت جهات معنية بهذا الأمر تأخذ الأمر مأخذاً أكثر حيوية وظهوراً لأن بعض المساجد لا نصيب لها في كثير لا يتم الالتفات إليه وتقديره، بل وقد تحولت بعض منابرها إلى أماكن للخطب الحماسية والمحفوظات التي تردد ومصلون يقاوم بعضهم النعاس ويأملون أن تنتهي الخطبة والصلاة وهم متماسكون! .
-الكاروري- يقدم عرضاً لمدرسة يجب أن يكون منهجها هو الغالب والفاعل والأساسي في أمور الولاية على تثقيف أمر الناس في دينهم، أسلوب يراعي خصوصية الزمان ويجمع ما بين المعاصرة والتاريخ بأسلوب جميل ومرتب، وما أحوجنا في مثل هذه الأيام لدعاة وخطباء بمثل هذه الرؤية العميقة والبعيدة لأنها وحدها القادرة على مخاطبة قطاعات واسعة من الناس، والتأثير إيجاباً عليهم في ظل استقطابات عريضة ومتنوعة لأفكار كثيرة وافدة أو تبحث لها عن مراكز ومحاضن في البيئة السودانية الآن.
وبالمناسبة وحتى مقارنة بنظرائهم العرب فاني اظن ان رجال الدين بالسودان – وهذا ليس تحيزا – اوسع من حيث القدرات فى جوانب التنوير بالاحكام والفقه ، والمتابع يوميا للاذاعات وحلقات الدرس بالمساجد يجد للامانة دعاة من الشيوخ والشباب اصحاب قدرات عالية وكبيرة ، وحتى فى الاعلام فاني ارى الان البروفسير الحبر يوسف نورالدائم ، والشيخ «الخنجر» وغيرهم يقدمون اسفارا من التنوير والهداية بمستوى رفيع وطريقة جاذبة.