مقاربات نقدية في تجربة الكتابة الإبداعية.المسرح في السرد السوداني «2 – 2»:

أبوطالب محمد

فتبدأ المسرحية بظهور «أبي الهول» وتنتهي بانتشار الوباء وفقأ أوديب عينيه، ثم تقف»جوكاستا» عند أسوار طيبة ليلاً في انتظار شبح زوجها القتيل»لايوس» تلبية لطلبه هكذا تطورت محكية أوديب وتطورت مأساته، وانعكست عليها شخصية كل كاتب وملامح عصره.
تاجوج مسرحة حكاية:
أشارت العديد من الدراسات الخاصة بتاريخ قبيلة الحمران إلى حكاية تاجوج ومحلق بعضها أجمعت أن الحكاية ضرباً من ضروب الخيال الشعبي والبعض الآخر يرى أن الحكاية منسوجة من الواقع، وأجمعت أيضاً على طلب محلق لتاجوج أن يراها عارية أمامه، بهذا التضارب دخلت الحكاية عالم الأدب المسرحي بأوجه متعددة وبمعالجات مختلفة، بعض النصوص احتفظت بطابع وقائع الحكاية كما رواها الخيال الشعبي والبعض منها عالجت الحكاية بأسلوب درامي تنوعت أبنيته بين مختلف أشكال الفنون- شعر، نثر وألغاز. واضعة في الاعتبار مقاصد المعالجة النقدية وقراءتها لتحولات المجتمع واشكالات وضعه الراهن، هذا نتج من انفتاح الحكاية وتداولها بطرق وأساليب عديدة أعطت كتاب المسرح مصدراً معرفياً ضاربة جذوره في الإرث السوداني واتسم بمرونة قراءة نقدية أخذت زوايا أدبية مختلفة سوف يجئ حديثنا تذكرة لبعض النصوص التي عالجت الحكاية أدناه.
الأصول الشعبية للحكاية:-
يشير الباحث الطيب محمد الطيب في كتابه»تراث قبيلة الحمران» قائلاً:-»محلق من أصل مهاجري كان ينهض وبعدين البت تاجوج خلاها في بطن أمها ووضعتها، والبنت كبرت ولما شافا مارقة مع البنات قال للجماعة: البنات فتاتن اياها، وطلب الزواج منها وأعطوها أياهو، صاحبو النور طلب يشوف تاجوج وأذن له محلق بذلك، ولما رأى النور تاجوج سقط أرضاً مغمياً عليه وتاجوج لم ترض بذلك ومحلق طلب منها أن ترقص ووافقت على طلبه بشرط، طلبت منه تنفيذ الطلب بعد الرقص، وأوفى بوعده وطلقت تاجوج وتزوجها بعده «ضريس».
ويشير أيضاً الباحث الطيب محمد الطيب في المرجع أعلاه إلى موتها وفقاً لحادثة القتل التي ذكرها خالد أبو الروس في مسرحيته»تاجوج والمحلق» يقول الباحث:»في طريقها للحج مرت بكسلا في حتة بقولوا ليها «أب علقة»، صادف وفد تاجوج رباطة ورأوا تاجوج وتقاتلوا حولها، وقتل الشايب فيهم تاجوج».
ورواية أخرى يرويها الطيب محمد الطيب في كتابه»تراث قبيلة الحمران» حيث يقول:»بعد زواج محلق من تاجوج طلب منها أن تضع ثوبها وتكون جالسة بالقرقاب- وحسبت هذا ماساً بكرامتها وخادشاً لعرضها خصوصاً عندما لمحت»ود جويل» صديق محلق بالقرب منها، وظنت أن محلق يعلم بوجوده وسقوط التوب عند الحمران يعد أن المرأة عارية، ومن هنا أشاعت «تاجوج» أن محلق طلب منها أن تقف عارية».
وعليه ارتكزت المسرحيات التي عالجت الحكاية على الاشاعة التي روجت إليها «تاجوج» بوقوفها عارية أمام محلق، ويروي الطيب محمد الطيب في موضع آخر من كتابه المذكور، بأن موت «تاجوج «ارتبط بخروج جماعة من الحمران يقصدون البني عامر، وعندما وصلوا «أب علقة» تربص بهم جماعة من الهدندوة وتقاتلوا وهزم الحمران ولما رأوا «تاجوج « تقاتلوا حولها وقتلت «تاجوج».
وحادثة أخرى مذكورة في كتاب»تراث قبيلة الحمران» تروي أن:»الهدندوة كتلوا ناقة ستها امرأة من الحمران في زمن الشيخ»أبو لوح» وجاءت تشكي إليه الحادثة، وقال لها:»بنديك واحدة واثنين وثلاثة وأربعة، رفضت ذلك وطلبت ناقتها، وشن الحمران حربا ضد الهدندوه وهزموا الهدندوه وأخذت أموالهم ونساءهم كأسرى لدى الحمران، الملاحظ أن كتاب نعوم شقير وضرار صالح ضرار أشارا إلى حكاية تاجوج لكننا استندنا على كتاب الطيب محمد الطيب نسبة لتعدد الروايات حول حكاية تاجوج وموتها.
المعالجات الأدبية لحكاية تاجوج:-
1ـ عالجت العديد من النصوص المسرحية الحكاية بأسلوب حبكة درامية تمركزت حول إشاعة تاجوج لطلب المحلق بأن يراها عارية ترقص أمامه.؟
1- موت تاجوج في المصدر الشعبي إرتكز حول حدث مقصد الحمران للحج.
2- اشتباك الحمران مع الهدندوة وقتل تاجوج حادثة متفق عليها في المصادر الشعبية.
3- موت محلق اتفقت عليه المصادر الشعبية بأنه توفى وسط أهله.
أما معالجة خالد أبو الروس للحكاية في مسرحيته صاغ النص الدرامي شعراً وإستند بقدر كبير على إشعار «محلق» واتفق النص مع المصدر الشعبي بأن محلق طلب أن يرى «تاجوج» عارية، وخلط في مقتلها بين الحادثتين اللتين أشرنا إليهما، واتفق أيضاً نص «خالدأبو الروس» مع المصدر الشعبي بأن موت «محلق» وسط أهله وبين أيدي «تاجوج»، ووظف المصدر الشعبي نظرة «تاجوج» لصديقه ود جويل وهي في وضع عاري.
إذن مسرحية «أبو الروس» من المسرحيات التي تناولت حكاية تاجوج قاصداً من تناولها كتابة نص مسرحي شكلاً ومضموناً في تعامله لتوظيف الحكاية الشعبية.
أما مسرحية لغز تاجوج للكاتب «مبارك أزرق» فقد استند إلى إشاعة «تاجوج» أن يراها «محلق» عارية وأدخل في معالجاته الدرامية شخصية العرافة وفكرة اللغز ودوره في طرح أسئلة القصد من حلها مقابل نيل تاجوج.
أدخل الكاتب في الشكل الفني مستويين من اللغة لغة الشعر والنثر، وتعدد عشاق تاجوج، وتعدد شخصيات النساء من خلالها وظف فكرة الغيرة Jealousy من قبل النساء اللائي يغرن من جمال تاجوج، وفي الحكاية الشعبية ورد ذكر هذه الغيرة ويقال إن «تاجوج» توفي أحد أقربائها وطلب منها أن تقص شعرها، وفعلت هذا الدور امرأة شديدة الغيرة من جمالها، وقصت شعرها»تاجوج» بطريقة غير منظمة ورآها «محلق» ونظم فيها الآتي:-
الحد ما بشنيها بزيدا جمال
قص الحسود بوبح وريدا وطال
وبهذا اقترب «مبارك أزرق» من «سينكا وسوفوكل» في معالجته لمقتل «محلق» لنفسه، عندما طلب من «تاجوج» الطلاق تطهيراً لحالة الندم، وهو فعل درامي أشبه بمقتل أوديب لنفسه عندما تكشفت له أحداث الوقائع، وأقترب أيضاً من مقتل»جوكاستا» عند «سوفوكل وسينكا» عندما قامت «تاجوج» بقتل نفسها بذات الطعنة التي سددها محلق لنفسه وبذات الرمح.
أما الكاتب «يوسف خليل» فقد استند في مسرحيته»محلق» على حكاية تاجوج، واستخدم في كتابة النص معالجات درامية عديدة، منها وجود منهج الطرح والمناقشة للقضية المطروحة التي نتلمسها عند «هنرك إبسن» وحضوره في بنية النص»محلق»، إذن يوسف خليل اتبع هذه الطريقة مستعيناً بعنصر الراوي أو المعلق على الأحداث وطارحاً تساؤلات عن أي الدوافع التي دفعت «محلق» أن يرى «تاجوج» عارية؟ ولماذا اختفى «محلق» بعد طلاق تاجوج؟ ولماذا تتماطل الشخصيات الأخرى على أجوبة على التساؤلات التي يفصح بها المعلق؟ جميع هذه الأساليب أعطت النص الدرامي مرونة في طرح خطابه.
ومن المعالجات الدرامية التي وضعها يوسف خليل قيامه بإدخال شخصية ثانية تسمى «تاجوج» والقصد من ادخالها سد الفجوة بين انفصال «محلق «من «تاجوج الأولى». وخلق توازن ناتج من اسلوب الكتابة الدرامية المبنية على منهج المناقشة والمشاركة الجماعية للشخصيات الأخرى حول الموضوع المطروح لذا يعتبر نص»محلق» تنفتح أحداثه وتنغلق بصورة دائرية تمركزت على تساؤلات الراوي وتعليقاته.
الخاتمة:-
توصلت الورقة أن هنالك مقاربات نقدية في تجربة الكتابة الابداعية وتداخلاتها بين السرديات المختلفة وفن كتابة النص المسرحي، والداعي لهذا التداخل أو التقارب نهضة القرن العشرين وما أنتجه من كتابات إبداعية وتيارات فنية جعلت النص الابداعي متأنساً مع نصوص إبداعية أخرى وهذا ما توصلنا إليه من خلال عرضنا لمقاربات النص الابداعي وتفاعله مع نصوص أخرى مستعينين بذلك بسردية أوديب وكيفية معالجتها للمسرح، لأنه مهما تقاربت أجناس الكتابة هنالك حد فاصل يميز بين جنس كتابي وآخر وهذا ما اتضح من عرضنا لمعالجات المحكي في المسرحية الأوربية ونظرتها للفترة التاريخية التي كتبت فيها، لأن النص الابداعي قادر على خلق صلة وطيدة بينه وبين الآخر، شأنه شأن الإنسان يتعايش في أي مجتمع ويتفاعل مع ثقافته مؤثراً ومتأثراً، فإذن النص القصصي يتم حضوره في الكتابه الإبداعية أولاً، ثم يذوب داخل مقولات الكتابة النقدية، وكما أشرنا الى معالجات محكية تاجوج في الأدب المسرحي السوداني، مستندين على مسرحة الحكاية من خلال النصوص الموضحة أعلاه، تعتبر هذه المعالجات بابا انفتح على الثقافة السودانية في أزمان مختلفة وشكل قراءة نقدية لتحول الحكاية من مادتها الخام الى مادة درامية ممسرحة تمسرح حياً قابل على التفاعل وقراءة تحولات المجتمعات السودانية، وحكاية تاجوج كمصدر شعبي شأنها شأن محكيات أخرى طرقن الباب لكتاب الأدب منذ عقود مضت وحتى الأن مازلن يتجددن بروح قابلة للإستلهام الأدبي.
قائمة المراجع والمصادر:-
1- م. ك. فينست/ حسن عون»مترجم»: نظرية الأنواع الأدبية: الاسكندرية: دار المعارف،»د.ت»، ص30.
2- نفسه، ص35.
3- نفسه، ص38.
4- ماري اليابس/ حنان قصاب»مشارك»: المعجم المسرحي: بيروت: مكتبة لبنان، 1996م، ص248.
5- فاضل الأسود: السرد السينمائي: القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1996م، ص29.
6- محمد عبد العزيز: البناء الدرامي: القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1998م، ص6.
7- مارتن إسلن/ السباعي السيد»مترجم»: مجال الدراما: القاهرة: «د.ن»، ص35- 49.
8- عبد العليم محمد اسماعيل: نظريات السرد:»مقال منشور بمجلة سرديات» نادي القصة السوداني، السنة الأولى العدد الأول: الخرطوم، 2014م، ص46- 47.
9- برتولت بريخت/ جميل التكريني»مترجم»: نظرية المسرح الملحمي: مجلة عالم المعرفة: الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون.
10- هوراس: فن الشعر: القاهرة: المكتبة العامة، 1947م.
11- أبو طالب محمد: نقد الخطاب السردي في بنية التأليف المسرحي عند عبد الله علي إبراهيم: دراسة منشورة بمجلة الرافد: الشارقة: دائرة الثقافة والاعلام، 2016م، العدد227، ص93.
12- مقدمة مسرحية»أوديب» سينيكا: في المسرح العالمي يوليو 1976م: الكويت: وزارة الاعلام: 1976م، ص5.
13- سينكا: المقدمة مسرحية أوديب، مرجع سابق، ص13.
14- فولتير، أوديب»مسرحية» سلسلة المسرح العالمي: الكويت: وزارة الاعلام، 1979م.
15- جان كوكتو: الاله الجهنمية»مسرحية» سلسلة المسرح العالمي: الكويت: وزارة الاعلام، 1978م.