تراثنا الثقافي… حصر وتوثيق

*عبد الملك الطاهر المهل

على صفحات صحيفة الصحافة في الملف الثقافي العدد قبل الماضي الذي وافق يوم السبت طالعت 19 مايو 2018 تلخيصاً لاجتماع تشاوري تم يومي 8 و9 مايو 2018م في قاعة الخير هاشم بمباني وزارة الثقافة الاتحادية.
كان الاجتماع يهدف للتشاور لوضع خطة قومية استراتيجية لحصر وتوثيق عناصر التراث الثقافي غير المادي في السودان.
نحمد الله على الاهتمام الرسمي بالأمر حينما حشدت له وزارة الثقافة الاتحادية عدداً من الخبراء من المهتمين بالشأن الثقافي بجانب الرسميين من المركز وممثلين لبعض الولايات التي أختيرت لتطبيق الخطة بعد وضعها واجازتها.
إن الخطة وهي تستهدف حصر وتوثيق أحد شقي الثقافة برغم إيماننا بأن شقي الثقافة «المادية واللامادية» لا ينفصلان عن بعضهما، من واقع ان كل واحد منهما شارح للآخر ومكملاً له في البيان والفكرة، وان استبعاد أياً منهم سيؤدي حتماً إلى تدني نسبة الكمال والنجاح علاوة على أنه يقود لضبابية الوضوح عند المتلقي. برغم ذلك نبارك البداية لأن أول الغيث قطرة، وان مشوار الألف ميل يبدأ بخطوة. ولأن الأمر شأن عام ويقع من ضمن اهتماماتي، كان لابد لي من أن أدلي بدلوي دعماً وتشجيعاً ومؤازرة، وذلك بعد أن وقفت على المنشور من المقترحات والمداولات والتوصيات:
حيث قالوا: ان أسئلة الشكوك تقود لليقين، فإن الطرح منا يعتمد على طرح السؤال حتى نصل مرحلة اليقين.
هل هدف هذه الاستراتيجية مقتصر على الحصر والتوثيق أم أن له أهداف أبعد من ذلك؟
إن الحصر والتوثيق وحده يجعل من عمل اليوم كعمل الأمس تماماً، ويجعلنا نركض داخل مربع تحنيط منتجنا الثقافي، وهي الحالة التي شهدت بها الخبيرة آسيا الهندي حينما أوضحت بأن هنالك منتجات ثقافية تم جمعها منذ 1964م ومازالت حبيسة الأرفف والأضابير فأضحت أعمالاً محنطة برغم إنها جاءت لجهود سخرنا لها الوقت والمال والرجال.
كما توجد أيضاً في مكتبة ومتحف قسم توثيق الحياة السودانية في وزارة الثقافة الاتحادية أعمال أخرى جمعت وترقد محنطة بلا استفادة منها وثالثة مثليهما ترقد في مكتبة معهد الدراسات الافريقية والآسيوية بجامعة الخرطوم وهي أعمالاً جليلة ورثها المعهد من وحدة أبحاث السودان في سبعينات القرن الماضي وظلت أيضاً محنطة من غير أن نستفيد منها.
ان تلك المحنطات عبارة عن كنوز من المعارف وقد جعل الحال منها معرفة محجوبة والقاعدة الذهبية تقول: «المعرفة حق للجميع… ونشرها واجب على الجميع».
من تلك الشواهد نستطيع أن نقول: إذا كان هدف الخطة الاستراتيجية قاصراً على الحصر والتوثيق، فإن النتيجة تقول بأننا نقدم على بناء هرم أكبر للتحنيط.
أما إذا كانت أهداف الخطة أبعد من ذلك فلابد أن توضح وتحدد مجمل الأهداف وتضمينها الخطة وتضع لها الخطط وتبين لها المسار المؤدي للتنفيذ. فإذا كانت الأهداف الأخري ما بعد الحصر والتوثيق تهدف لعرض ثقافتنا وتسويقها والاستفادة منها خدمة لأهل الداخل أو لمن هم خارج الحدود، فإن اشكالية اللغة واللهجة لابد أن نتحسب لها كمعضلة تبرز للوجود اختلافاً ما بين لغة النشر والتسويق وما بين لغة ولهجة أهل المنتج الثقافي وهي لغة الحصر والتوثيق. إن المستهلك للمنتج الثقافي إذا كان من خارج دائرة انتاج الفعل الثقافي فإنه يحتاج آلية اللغة لتيسر له الفهم والاستفادة، ولا يتم ذلك إلا بعد الاتفاق على طريقة كتابة المفردة الشعبية وضبطها وشرح المعاني وبيان المدلول للنص الشاخص.
ويتطلب الأمر تجويداً عالياً وإذا كنا نرغب في عرض وتسويق ثقافتنا خارج الحدود والخروج بها من المحلية تطلعاً للاقليمية والعالمية أو إذا كنا نود الاستفادة منها في ترسيخ ما فيها من قيم حسنة وسلوك حميد في أجيالنا الحاضرة واللاحقة لأن ما في موروثنا الثقافي كان يميزنا تميزاً ايجابياً عن الآخرين ولا يتم ذلك إلا بتضمين المناسب من منتجنا الثقافي «الحكم – الأمثال – القصص» في مناهجنا المدرسية في كل سنوات مراحلها.. وهذا أيضاً يتطلب إعداداً خاصاً للغة ما بعد الجمع وبذا تبقى أهداف الخطة قاصرة إذا اقتصرت على الحصر والتوثيق وحال نتاج الجهد دون الاستفادة منها داخلياً وخارجياً.
أما اذا أسلمنا بأن تقتصر الخطة على استهداف الحصر والتوثيق لعناصر التراث الثقافي غير المادي فإن الاستفهام التالي يقفز ليقول:
هل يشمل الحصر والتوثيق كل أوجه الفعل الثقافي غير المادي؟ أم أن الخطة تجري على العمل بالاختيارات والمتروكات؟
إن الثقافة اللامادية عالم واسع ومترابط، فذا أخذنا الأدب منه فإننا نجد فيه الشعر والقصة والرواية والأحاجي والأساطير والألغاز والحكم والأمثال والوثيقة والاجازة والهبة والعقود ومسميات الأوزان والمقاييس والمستحسن والمستهجن هذا من غير الاشارة لتفاصيل التفاصيل كما في الشعر من الأدب حيث هناك الدوبيت والمسادير وشعر الحكامات والبنينة والهداي والجراري والمدح والمديح وشعر العاطفة بكل فروعها من عاطفة الحزن وعاطفة الوداد وعاطفة حب الأديم، اضافة لشعر الأنشطة والممارسات كشعر الهمباتة والرعاة والمزارعين.
وبجانب الأدب فإن الثقافة اللامادية فيها فنون الأداء من رقص وغناء وموسيقى وفيها الثقافات الخاصة التي تعرف بثقافة المكان مثل ثقافة المسيد والخلوة وثقافة أهل البحر وثقافة المهن والأنشطة …الخ. حيث نجد ان الخصوصية فيها ترجع لخصوصية الأدوات والمفردات والممارسات القاصرة على أهل المكان أو الكيان. لهذا يصبح أمر حصر وتوثيق التراث الثقافي غير المادي في جزء منه يجعل أيضاً خطة الاستراتيجية مبتورة.
أما اذا كانت الخطة تستهدف حصر وتوثيق كل التراث الثقافي غير المادي فإنه من بعد سد الثغرات نجد ان العمل يحتاج وقفة ومراجعة حتى يتسنى للخطة حشد كوادر بشرية كثيرة ومتنوعة تضم المختصين والمهتمين والرسميين وعدداً من رجال المال والأعمال وأهل القانون والإعلام وقادة ورموز المجتمع ان تعمل الخطة على تدريبهم للمهمة وقطعاً فإن ذلك يترتب عليه زيادة التمويل.
ان اختيار أي من الخيارين كان أحلاهم مر.
من بعد كل ذلك أتمنى أن نتحسب للأمر جيداً ونستحضر التجارب السابقة لنتجنب ما صارت إليه إذا كنا نرجو التمام والكمال والتجويد.

*باحث وكاتب في الثقافة الشعبية السودانية