أشباح سودانية

لي قناعة ذكرتها كثيرا وكررت إشهارها ، أن هذا البلد ، يستمد طعمه الجميل الذائقة ، من أنفاس الناس فيه ، عرقهم ، حديثهم لغطهم ، شغبهم ، روح ود تعبر مسافات التعارف ، حينما تجد ان حتى العابر منهم قد يتوقف يبذل لك العون والسند ، لا تعرفه ولا يعرفك لكنه يحضر حولك فكأنه منك واليك ، أمس وعقب الإفطار توقفت في زقاق باحدى الحارات ، حضرني هاتف من ذاك الذي يمزق استار صبرك بسؤال من لظى الغيظ «ما عرفتني» وسار الحديث ، أبطلت محرك السيارة وخرجت اطلب الهواء لإكمال الحديث ، كنت أثناء ذلك قد أمنت الأبواب ونسيت المفتاح بأحد المقاعد ، حينما تنبهت استعرت صياح «يا ويلي» ! أدركت مصابي فقد «تأمنت» السيارة ، وصرت «محظوراً» من دخولها ،
غامت الدنيا أمامي ، إذ لا حل أمامي سوى تهشيم زجاج العربة ! صرت أطوف بها أرمل مرات وأتحسس الأبواب ، مثل انعقاد إحصاء طواف ، سبع أو سبعين شوط طواف ، أتوقف برهة ألعن من كنت أهاتف وألعن مرات سهوي ، لمحني شاب تقدم نحوي مستفسراً «إن شاء الله خير» إستضاء وجهي بإبتسامة ذاهلة وأنا أقول «نسيت المفتاح جوه» قلتها ويداي تبحثان في الأرض عن «حجر» لهتك عذرية الزجاج ، صمت الشاب الذي في دقائق طلب مني الهدوء ، غاب في الظلمة ، أظنه راجع بعض رفاق في «برش» بطرف الشارع ، حضر ثلاثة منهم بشاكوش ، وحديدة مثل الشفرة طويلة ، وإناء ماء وبعض العصير ، طلبوا مني التنحي جانباً ، وعونهم بتسليط ضوء الهاتف .
جرت أياديهم فوق مجرى الباب الأيسر ، تعالت الأنفاس والتنبيهات «أقرص» وأدخل من هنا ، عسر عليهم الأمر حتى أن أحدهم خلع جلبابه ، بعد نصف ساعة تمدد سلك عجز عن مس «الاكرة» حاولنا مرتين وثلاث ، شبح من أشباح يعبر فوقنا ، زيه نم على عطاء حرفي ، من مظهر الأبرول ، وكيس به قوت عياله وكيس لعدة العمل ، ألقى التحية ملتحقاً بالقوم بلا دعوة ، طالبنا جميعاً بالابتعاد ، بعد أن وضع أثقاله بحرص على الأرض وبعد أن أجاب على هاتف أظنه من أسرته بأنه قريب .
طاف حول العربة ، همهم للحظات ، انحنى على كيسه الأصغر استل آلة حادة ، أجرى تعديلات على سلك الإنقاذ ، نظر لموقع المفتاح ، اختار باباً يجعل السلك في نطاق الالتقاط ، فتح في جوانب البلاستيك عند الحافة ، غرس بعض الأدوات ومد السلك مثل سنارة ، أنفاسنا تتصاعد مثل ذروة تنفيذ ركلة جزاء ، التقطه ، سحبه بحرص مرهق ، كلما اقترب المفتاح من الحافة انحبست أنفاسنا ، حتى العرق تجمد فينا ، ثم فجأة سقط مفتاحنا ، سمعت «الله ..الله» قلت حرجاً «اكسروا القزاز « حدجني بنظرة «شيل الصبر» وكرر الأمر ، دقائق مثل الساعة ، ظهر أول المفتاح ، شددنا «القرصة» التقط المفتاح يجره .
تنفست وتنفسوا الصعداء ، كنت أثني وأشكر وهم يجمعون أدواتهم ، وهو يلتقط أكياسه ، يمسح وجهه المعرق بطرف كمه ، وأحد الشباب يمد له كوب عصير ، وقفنا لبرهة نتبادل التعارف ، تقدمت نحوه وأنا ادس في يده شحيح نقد ضرب يدي بقوة يردعني يقول «يا زول دي مروءة ما بقروش» زجرني الشباب ان «عيب» ! أحسست بحرج خالطه امتنان وحب ، فقلت إذن اقلك الى بيتك قال لا داع البيت في آخر الشارع ، مضوا متفرقين ومضيت أنا أجمع أطراف أكمامي على حب هؤلاء الناس في نسختهم الجميلة ..السودانية.