حمدي: الحقائق الصعبة

«1»
الحقائق الصعبة مثل العملة الصعبة، مكلفة للغاية. ولكن هناك فارق جوهري بين الاثنين، وهو ان العملة الصعبة مرغوبة، بينما لا أحد يريد الحقائق الصعبة، فهي كما يقول الفرنجة أنبوبيولار ««unpopular. وكذلك الحال بالنسبة للذين ما ينفكون يرددون ذلك النوع من الحقائق. مستوى قبولهم عند السوادنة ضعيف، فلا أحد يحبهم، ولا أحد يرغب في الاستماع اليهم. من هؤلاء حبيبنا الدكتور عبد الرحيم حمدي!
عام 1993، وفي اطار حوار صحفي، سأل فيصل الباقر، عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوداني حاليا، وكان وقتها مديرا لتحرير صحيفة «ظلال»، سأل واحداً من اكبر رموز النظام المايوي، ووزير المالية الاكثر شهرة في ذلك العهد، بدرالدين سليمان «وهو نفسه شيوعي سابق» السؤال التالي: «ما رأيك في عبد الرحيم حمدي»؟ وكان الأخير قد ورث ذات المنصب في أعقاب انقلاب العصبة المنقذة. فرد الاستاذ بدر الدين: «تقول العرب أم الجبان لا تفرح ولا تحزن، وأنا زعيمٌ بأن عبد الرحيم حمدي سيورث أمه الحزن والفرح»!
كان ذلك في قلب الأيام المدلهمات، في ذروة سياسات التحرير والخصخصة والحصار الخارجي، وقد زاغت عندها الأبصار وبلغت القلوب الحناجر.
ولكن بدر الدين سليمان نسيج وحده، وعبد الرحيم حمدي نسيج أمه!
«2»
طالعت ثلاث من حلقات الحوار ذي الأجزاء الأربعة الذي أجراه الصحافي المقتدر صديق دلّاي ونشرته صحيفة «السوداني» مع المثير للجدل أبدا عبد الرحيم حمدي. والأجزاء الثلاثة التي اطلعت عليها تكفي وتزيد في مورد إحياء وإثارة ذات الاشجان القديمة حول الحقائق الصعبة التي ما يفتأ الرجل يرددها، في ثقة ويقين وقسوة مفرطة، كلما سألوه عنها، ثم يمضى في طريقه لا يلوي على شيء.
ولكن من الذي يأنس في نفسه الرغبة أن يستمع الى حديث الهم والغم ذاك، ويتجرعه كما يتجرع الدواء المر؟! من يريد أن يسمع ان جميع الحكومات منذ سبعينيات القرن الماضي كانت تعلم، تمام العلم، وبين يديها تقارير الخبراء المتخصصين من اللجان المحلية الدولية، أن هيئة السكة الحديد ظلت تضم في قوتها العاملة عشرات الآلاف من العطالى الذين لا عمل لهم؟! وانه لم يكن هناك ثمة أمل في إصلاح تلك الهيئة الا بإعادة هيكلتها والتخلص من حشود البطالة الصريحة والمقنعة التي ظلت تعتاش عبر الحقب على بنود المال العام لأسباب سياسية محضة، وبدون مسوّغ اقتصادي، لا سيما بعد اكتمال طريق بورتسودان-الخرطوم والتوسع المضطرد في شبكات الطرق وما مثلته من تحديات امام ذلك المرفق؟ ولكن الحكومات كانت تقدم رجلا وتؤخر أخرى خشية الخسران السياسي المبين، بينما الداء العضال يتمدد ويستشري!
من يريد أن يسمع ان مشروع الجزيرة كان منذ العام 1970 يرزح، بلا عائد، تحت نير الفشل، وأن العالم الاقتصادي الدكتور محمد هاشم عوض نشر عهد ذاك كتاباً تحت عنوان «من هم اللوردات»؟ شخّص فيه أزمة المشروع، وندّد بظاهرة اهمال المزارعين للزراعة، وإحالتهم أمرها الى «ناس الكنابي» ومفردها كمبو. وأن هناك لجنة ضمت حسب الرسول عرابي وكيل وزارة المالية وعبد الله إمام محافظ مشروع الجزيرة آنذاك وآخرين كتبت في تقريرها عام 1971 أن المشروع يصلح فقط للاعاشة!
«3»
مثل هذه الحقائق الصعبة تكلفتها النفسية عالية. نحن نفضل ان تكون عندنا هيئة سكة حديد جرارة ورجراجة، تمكننا من ان نردد الهتاف المحبب الى قلوب كثير منا: «عاش كفاح الطبقة العاملة». وما أحب الى نفوسنا ان نعيش نوستالجيا الجزيرة في عهودها الذهبية، كأكبر مشروع من نوعه في العالم. ويا حبذا لو كنا قد ظللنا، في أمان الله ورعايته، في كنف عهود «المؤسسة العامة للمواصلات السلكية واللاسلكية» الزاهرة، بجيوش فنييها وعمالها الذين كانوا يسدون عين الشمس، بينما كان تركيب جهاز تلفون واحد في منزل او متجر يتطلب بين ستة أشهر وعامين كاملين من الجهاد والبذل، و«الاكراميات» حتى لا نقول الرشا!
«4»
تعجبني في شخصية عبد الرحيم حمدي انه واضح وصريح ولا يحب الملاوعة. انظر الى سؤال الصحافي دلاي بشأن معدلات الصرف على بنود الأمن في الميزانية العامة، ثم أقرأ اجابة الرجل: «الصرف على الأمن في زمن الحرب يكون عادة مكلفا وعاليا». كلام واضح. وفي حكمة السوادنة «الواضح ما فاضح»!
ثم هاك في مورد تشخيص الأوضاع الاقتصادية:
«نعم هناك أزمة، من معالمها ان الموارد شحيحة، ومواعين الضرائب ضيقة، ومعدل النمو ضعيف، كما ان معدل الادخار في السودان لا يتعدى 2%، بينما يصل الى 40% في دول آسيا. ولكن ليس صحيحا ان هناك انهيار اقتصادي، لأن التشغيل مستمر، فالقطاع الخاص يزرع 40 مليون فدان، ونصدر 6 ملايين رأس من الضأن، وما زلنا نبني الطرق المسفلتة لربط اجزاء البلاد». ثم : «هناك فجوة في الموارد تسببت فيها الدولة والمواطن معا. وهناك معالجات مالية ونقدية انكماشية من ناحية، ثم سياسات معاكسة في المجال الاستثماري والتجاري من ناحية اخرى. لذا فإن السياسات الراهنة متضاربة ومتشاكسة. والنتيجة اننا نعيش في قبضة ركود تضخمي». وأخيرا: «بعض القرارات الاقتصادية المطلوبة للاصلاح صعب اتخاذها، وتتطلب إرادة سياسية مكتملة وواعية».
قل لي ـ أعزك الله ـ من هو الرجل الاكثر قدرة وتأهيلا لقيادة وادارة دولاب الاقتصاد الوطني في هذه المرحة البالغة الدقة التي تتطلب إرادة سياسية واعية ومكتملة وخبرات ومعارف اقتصادية مجربة؟